خطاب أوباما في القاهرة بين التهويل والتهوين

الحزب الشيوعي المصري
السكرتارية المركزية
أثار خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما في جامعة القاهرة ردود أفعال متباينة ،تراوحت بين القبول بلا شروط والرفض غير المشروط ، وفي كل الأحوال فقد اختلفت الرؤى حول الخطاب وما جاء فيه من قضايا ، وحول قدرة الرئيس الجديد على تنفيذ ما جاء في هذا الخطاب من وعود . فإذا كان لنا – أو من واجبنا – أن نقدم قراءة موضوعية لخطاب أوباما في القاهرة في الرابع من يونيه 2009 ، كان لزاما علينا أن نضع هذا الخطاب في سياقه التاريخي الموضوعي ، دون إغفال لأي من الحقائق الموضوعية التي أحاطت بهذا الحدث أو ارتبطت به . خطاب أوباما إذن ليس مجرد خطاب جديد لرئيس جديد ، بل خطاب جديد في مواجهة خطاب المحافظين الجدد الذي ساد في أمريكا والعالم طوال العقد الماضي ، والذي جر أمريكا نفسها والعالم كله إلى حافة الهاوية ، بإشعاله الحروب الاستباقية تحت شعارات الحرب ضد الإرهاب ، وبرّر تدخله العسكري الشامل بشعارات نشر الديمقراطية والقضاء على أنظمة الحكم الديكتاتورية ، ونظر لإشعاله للحروب والتدخلات العسكرية بمقولات صراع الحضارات وصدامها ، مكرساً للنزعات العنصرية والعرقية والاستعلاء الثقافي والصدام الحتمي بين الشرق والغرب ، بين الحضارة الغربية المسيحية والحضارة العربية الإسلامية ، وحاول أن يخفي خلف هذه الشعارات خطته الاستعمارية للسيطرة الأمريكية على منابع الطاقة والنفط ، وقسم العالم إلى محورين للشر والخير مستهدفاً بناء تحالف عالمي تقوده أمريكا منفردة وفقاً لشعار بوش من ليس معنا فهو ضدنا ، وخطته الاستعمارية في الهيمنة على العالم ، تلك التي انطوت على رغبة محمومة في جعل القرن الحادي والعشرين قرناً أمريكياً تظل أمريكا فيه هي القطب الوحيد ، وتنطوي هذه الخطة بالضرورة على منع ظهور أقطاب جديدة كالصين وروسيا وألمانيا وفرنسا . واتسعت دائرة المعادين والكارهين لأمريكا حتى سأل بعض كتابها لماذا يكرهنا العالم هكذا ؟ وتركت الجيوش الأمريكية غارقة في وحل العراق وفي جبال أفغانستان ، وهبطت سمعة أمريكا السياسية والأخلاقية إلى الحضيض ، عبر التعذيب في سجون أبو غريب وجوانتنامو والتوسع في أعمال التوقيف والتجسس والتنصت وإعطاء القوانين أجازة وإهدار الحريات العامة والشخصية ،وتصاعد دور الحركات الاجتماعية العالمية المناهضة للعولمة و لعسكرتها والمناهضة للحرب ولتلويث البيئة و للفقر .واتسعت النظم السياسية الرافضة لمخطط المحافظين الجدد والليبرالية الجديدة وأجهزتها الرأسمالية الدولية ، وتجلى ذلك عبر انتفاضة دول أمريكا اللاتينية نحو اليسار والاشتراكية وتأكيد الدور الاجتماعي للدولة ، ولم تسفر مخططات الفوضى الخلاقة إلا عن فوضى سياسية وطائفية ومذهبية مدمرة ، ولم تسفر مخططات تعظيم الأرباح الرأسمالية عبر النفخ في بالونات القطاعات المالية على حساب قطاعات الاقتصاد الحقيقي إلا عن انفجار الأزمة المالية والاقتصادية الأمريكية والعالمية ،التي انفجرت في أمريكا ثم انتشرت في العالم ، حيث كانت هذه الأزمة بمثابة إعلان فشل خطاب وسياسات المحافظين الجدد حول نهاية التاريخ ، ونهاية الدور الاجتماعي للدولة ، وتقديس قوانين العرض والطلب والخصخصة والآليات الحرة للسوق التي تصحح نفسها بنفسها . هنا كان من الضروري أن يأتي خطاب أوباما مختلفاً ، ليس عن مجرد رغبة ذاتية نابعة من رئيس جديد أسود البشرة ، مثقف ، متنوع الأصول والتجارب الدينية والثقافية ، بل أيضاً لأسباب موضوعية ترى ضرورة إخراج أمريكا من هذا النفق المظلم الذي صنعته سياسات الليبرالية الجديدة والمحافظين الجدد وحروبهم المشتعلة في كل الجبهات ، إن مصلحة أمريكا تحتاج إلى هذا الخطاب الجديد ،وتتطلب هذا (التغيير) الذي كان شعار أوباما وفريق عمله والتيار الذي سانده وحمله إلى قمة الإدارة الأمريكية في انتخابات الرئاسة نهاية عام 2008. هذا التغيير المطلوب هو ما ظهر في خطاب أوباما بالضبط كخطاب رجل المطافئ ، وفي مقابل خطاب الصراع والصدام جاء أوباما بخطاب الحوار والشراكة والمصير المشترك والتحديات المشتركة والتعايش المشترك والتسامح الديني ، وفي مقابل خطاب الغزو أو التهديد بالغزو جاء أوباما بخطاب الانسحاب من العراق والحوار مع إيران ، وإذا كان الانسحاب من العراق هو تعبير عن الرغبة في الخروج من ورطة الاحتلال العسكري التي فاقت فاتورته المادية والبشرية والنفسية كل التوقعات ، فإن الحوار مع إيران تعبير عن الرغبة في عدم الاندفاع في تورط عسكري جديد يحتاج إلى فاتورة أمريكية جديدة ، وفي مقابل خطاب التدخل العسكري لنشر الديموقراطية وتغيير النظم جاء أوباما بخطاب التغيير الديموقراطي من الداخل ، وفي مواجهة خطاب من ليس معنا فهو ضدنا جاء أوباما بخطاب نحن جميعاً معاً ضد التطرف والتشدد والعنف ، وتوسع في دائرة المصالح المشتركة والقيم المشتركة والحوار حول الخلافات . ودعا أوباما إلى التمييز بين إسلام معتدل ، هو الإسلام السائد بين المواطنين في العالمين العربي والإسلامي والجاليات الإسلامية في العالم الغربي في أوروبا وأمريكا ، والإسلام المتشدد الذي حصره خطاب أوباما في القاعدة وطالبان ، بهدف تكوين أوسع تحالف بين أمريكا والعالم لمواجهته وعزله ، أما الإسلام الإيراني فقد وضعه أوباما في وضع الوسط الذي يحتاج إلى حوار وضغط دبلوماسي بهدف معالجة الخلافات والاختلافات القائمة . وتعرض أوباما للصراع العربي الصهيوني باعتباره قاعدة وجوهر التوتر والصراع ومفجر الحروب في قلب العالمين العربي والإسلامي ، وهما من تأسس الخطاب الجديد من أجلهما خصيصاً ،و حاول أوباما في هذه القضية المحورية أن يكون خطابه مختلفاً بعض الشئ عن خطاب بوش الديني المتعصب مع تأكيده على قناعات الغرب الفكرية والثقافية تجاه التاريخ اليهودي ، وان يبقي على التزامات أمريكا تجاه إسرائيل ، دون إغفال لطموحات الشعب الفلسطيني ، فجاء الخطاب تجاه الصراع العربي الصهيوني عاماً وبه قدر كبير من عدم الإنصاف ، خاصة حين حاول الموازنة بين آلام اليهود والمحارق التي تعرضوا لها وآلام اقتلاع الشعب الفلسطيني من قراه وأرضه ودياره ، غافلاً عن عدم مسئولية الشعب الفلسطيني أو الشعوب العربية عن الهولوكوست وأفران الغاز التي تعرض لها اليهود ، وغافلاً بالتالي عن مسئولية اليهود الصهاينة ومنظماتهم الإرهابية كالأرجون والهاجاناة ودولتهم العنصرية التوسعية في كل المعاناة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني والشعوب العربية ، وفي مقابل الحديث عن المذابح التي تعرض لها اليهود لم يتعرض الخطاب للمذابح التي سببها الصهاينة للفلسطينيين منذ مذبحة كفر قاسم ومذبحة دير ياسين وحتى مذبحة غزة الأخيرة . وعلى الرغم من ذلك فقد أكد خطاب أوباما على ضرورة وجود دولتين للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي يعيشان في سلام ، وتحدث عن ضرورة إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، وعن ضرورة وقف المستوطنات وتجميدها ، واستخدم أوباما في خطابه حول هذه القضية كافة المفردات العاطفية التي تنادي بنبذ الماضي وصراعاته وآلامه ، ونبذ العنف والمقاومة وإطلاق الصواريخ ، مطالباً الدول العربية بعدم الاكتفاء بمبادرة السلام العربية ، بل العمل بما هو أكثر من ذلك . يبقى لنا في نهاية هذه القراءة أن نؤكد على بعض الحقائق الهامة: • إن خطاب أوباما يحتاج ان نتعامل معه– نحن الشيوعيين –بشكل موضوعي ودون تهويل أو تهوين ، ان هذا التوجه الذي برز في خطاب اوباما رغم ما به من اختلاف مع سياسات اليمين المحافظ إلا ان الذي يحكم أمريكا هو مؤسسات تمثل مصالح الرأسمالية الاحتكارية في مرحلة العولمة سواء كان الذي يحكم أمريكا هو الحزب الجمهوري أو الحزب الديمقراطي وهى سياسات معادية لشعوب العالم والعمال والكادحين وقوى السلام والتقدم والديمقراطية ومازالت مصالح الاحتكارات الأمريكية الكبرى متعدية الجنسيات هي التي لها الكلمة الفاصلة في تحديد الإستراتيجية والسياسة الخارجية الأمريكية ولكن الذي لا شك فيه أيضا ان هذا التوجه الجديد الذي هو في جوهرة تعبير عن أزمة الرأسمالية العالمية وعن تناقض وصراع بين الأجنحة العولمنانية للرأسمالية داخل الولايات المتحدة وفى العالم إلا انه فى نفس الوقت يتيح للقوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية ظروفا أفضل للنضال من اجل التغيير دون الوقوع في براثن الوهم من ان هناك تغيرات جذرية قد حدثت بالفعل • أن حديث اوباما فيما يخص الصراع العربي الصهيوني لا يتعدى مجرد كلام دون اى فعل حقيقي ولا ينبغي أن ننسى ان التحالف الاستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل هو الذي يشجعها على استمرار سياساتها العنصرية والعدوانية المعادية للفلسطينيين والعرب ،كما أن تأييد اوباما لخطاب نتنياهو الأخير الذي رفض فيه بشكل قاطع إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة واختزالها إلى مجرد حكم ذاتي مع تأكيده على التمسك بالمستوطنات ورفضه حق العودة وإصراره على ضرورة الاعتراف الفلسطيني بيهودية دولة إسرائيل قد أكد على ان الأقوال شي والفعل شي أخر، كما ان حصر اوباما لسبل مقاومة الاحتلال الاسرائيلى فى وسائل السلمية فقط وإدانته للمقاومة المسلحة باعتبارها عنف مرفوض هو تعامى عن اعتبار ان الاحتلال هو السبب الرئيسى للصراع ، وهو تجاهل لمواثيق الأمم المتحدة التي تؤكد على حق الشعوب الأصيل فى مقاومة الاحتلال بكل الوسائل . ومن جانب أخر فان النظم العربية المتخاذلة والمتواطئة تتحمل مسؤولية اكبر فى استمرار هذه الأوضاع وخاصة فى ظل حالة الانقسام الفلسطيني ،وبدلا من استغلال الجوانب الايجابية فى خطاب اوباما للضغط على أمريكا بلغة المصالح التي لا تعرف سواها تحاول هذه النظم كسب المزيد من الوقت لخداع شعوبها واستمرار سياستها المتخاذلة ،وعلينا التذكير بان اوباما لا يمكنه أن يكون عربياً أكثر من العرب أو فلسطينياً أكثر من الفلسطينيين . • أن هناك أمورا ايجابية برزت في خطاب اوباما وخاصة رفضه لنظرية صراع الحضارات وسياسات العداء مع الحضارة الإسلامية فقد حفل الخطاب بحديث عن مسؤولية الاستعمار و فضل الحضارة الإسلامية على الحضارة الغربية وحرص على تحديد خصومه في القوى المتطرفة (القاعدة ،وطالبان ) إلا انه تجاهل مسؤولية أمريكا أساسا في صناعة هذه القوى المتطرفة ومسؤولية اليمين المحافظ والديني فى أمريكا وأوربا عن تأجيج هذا المناخ الهستيري الذي يغذي كلا منهما الأخر لكي تستمر الحروب والصراعات التي تخدم مصالح احتكارات السلاح والبترول . • ان تخلي اوباما في خطابه وكذلك وزارة الخارجية الأمريكية عن شعار الحرب ضد الإرهاب وتأكيده على الانسحاب من العراق قبل نهاية عام 2012 لا يغير من ان الهدف الاساسى لأمريكا كان وسيظل هو السيطرة على منابع النفط فى العراق والخليج ،لذلك فان اوباما يريد الخروج من مستنقع العراق مع استمرار الهيمنة الاقتصادية والسياسية الأمريكية على العراق ومنطقة الخليج بأقل الخسائر والحرص على استمرار الوجود العسكري بأشكال أخرى .كما ان استمرار الوجود العسكري لقوات حلف الأطلنطي بقيادة الولايات المتحدة في أفغانستان وإصرار اوباما على نفس السياسات السابقة يؤكد أيضا ما ذهبنا إليه من ان المصالح الأمريكية الامبريالية مازالت مستمرة في جوهرها . • أن حديث اوباما عن عالم خال من الأسلحة النووية هو توجه ايجابي ولكنه لابد أن يقترن بممارسات وسياسات فعلية على الأرض وما يهمنا هو ضرورة إعلان الولايات المتحدة الأمريكية موقفها من امتلاك إسرائيل للسلاح النووي والتوقف عن سياسة الكيل بمكيالين حتى تقتنع الدول الأخرى بجدوى هذا التوجه الذي يهم كل الشعوب وقوى السلام والتقدم في العالم مع أخذنا في الاعتبار أن هذا التوجه سيواجه هجوما ضاريا من قوى اليمين والمجمع الصناعي العسكري في أمريكا وخاصة احتكارات السلاح المستفيدة من سياسات التصعيد والحرب . • أن حديث اوباما عن التنمية هو مجرد حديث مرسل ليس له أساس ، فكيف تحدث تنمية حقيقية لبلدان وشعوب العالم الثالث في ظل هيمنة الاحتكارات الكبرى متعدية الجنسية وفى ظل ضغوط المؤسسات الدولية للراسمالبة العالمية ( البنك والصندوق ومنظمة التجارة العالمية ) التي تتحمل المسؤولية الأساسية عن كل الكوارث والأزمات والحروب التي تحيق بالعالم ،أن أي تنمية حقيقة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية لصالح شعوب هذه البلدان وخاصة للفقراء والكادحين فيها وهى تتناقض بشكل واضح مع العولمة الرأسمالية وسياسات الليبرالية الجديدة التي مازالت تفرضها الحكومات في الدول الرأسمالية المتقدمة ،كما ان تحقيق الديمقراطية وتحرير المرأة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا والنهوض بالتعليم وإنهاء سياسات التمييز الديني والعرقي مرتبط أيضا بتحقيق هذه التنمية الشاملة من خلال النضال ضد الاستبداد والفساد والتبعية اى ضد نظم الحكم الاستبدادية التي مازالت تدعمها الامبريالية العالمية بقيادة أمريكا . ولذلك نحن نرى ضرورة التعامل مع خطاب اوباما بموضوعية وبدون مبالغة أو تهوين ، نعم الخطاب فيه جديد لكن من المهم معرفة حدوده وكيفية التعامل مع الايجابي فيه دون إن نحلق في أوهام لن تؤدى ألا إلى تزييف وعى الجماهير .
16 يونيو 2009
الحزب الشيوعي المصري
السكرتارية المركزية

About Communist Party of Egypt

الحزب الشيوعى المصرى Communist Party of Egypt
هذا المنشور نشر في بيانات وتصريحات الحزب وكلماته الدلالية , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على خطاب أوباما في القاهرة بين التهويل والتهوين

  1. يقول سيد شرقاوى:

    عزيزى ……ان امريكا دولة مؤسسات وليس افراد وخطاب الرئيس الامريكى ؟؟؟؟…
    اذا وعظ الثعلب انتظر فقد دجاجة …والدجاجة التى سوف تذبح من دول الشرق الاوسط على مائدة الامبريالية من هى تلك الدولة ….؟؟؟؟؟

التعليقات مغلقة.