بعد العدوان على غزة ضرورة العودة الى المبادئ والمنطلقات الأساسية

لم يكن العدوان الأخير على غزة حدثاً عادياً ، وهو بالطبع لم يكن العدوان الأول على غزة ولن يكون الأخير ، فنحن أمام مؤسسة عسكرية عدوانية في شكل دولة ، هي الدولة الإسرائيلية الصهيونية العنصرية ، التي قامت منذ عام 1948 كدولة استعمارية استيطانية توسعية ، تقوم استراتيجيتها على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين على حساب الشعب الفلسطيني ، وقد قامت هذه الاستراتيجية منذ البداية على سياسة تفريغ الأرض الفلسطينية من أصحابها الأصليين ، عن طريق إقامة المذابح وتهجير السكان وبناء المستوطنات اليهودية ، وعن طريق جعل العدوان العسكري والإرهاب والتوسع سياسة ثابتة ودائمة للدولة الصهيونية . لكن العدوان الأخير على غزة كان نقطة فارقة من عدة زوايا ، فقد كشف عن عدة تحديات وأخطار لابد من مناقشاتها بأعلى قدر من الصراحة والمسئولية ، فمنذ انتهاء عمليات الهجوم العسكري المباشر لهذا العدوان الإسرائيلي الجديد على غزة ، والخطابات السياسية الفلسطينية والعربية تعبر عن توجهات تتسم بالخطابية والمزايدة التي تخفي خلفها حقائق الوضع السياسي الراهن ، وتخفي بالتالي حقيقة التحديات والأخطار التي باتت تهدد مستقبل القضية الفلسطينية تهديداً حقيقياً ، وتضعف بالتالي إمكانية مواجهة القوى الوطنية الفلسطينية والعربية لهذه التحديات والأخطار . انتصار أم هزيمة ؟ فقد خرجت علينا أصوات ما بعد الحرب تزف إلينا انتصار المقاومة الباهر في غزة ، ومن المستحيل أن تكون هذه الأصوات نفسها تصدق ما تقول ، ليس فقط عن طريق قياس عدد شهداء الشعب الفلسطيني في غزة وعدد جرحاه من جراء هذا العدوان الوحشي ، ولا بالقياس لحجم الدمار الذي ألحقه العدوان بالبنية الأساسية ومساكن ومقدرات الشعب الفلسطيني ، ولا بالقياس بحجم التشريد الذي أصاب الأطفال الذين أصبحوا بلا أسر وبلا مأوى ، في مقابل العدد الهزيل للقتلى من جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي ، وغياب أية آثار ذات شأن لإيلام العدو الصهيوني عن طريق وصول صواريخ المقاومة أو هاوناته إلى عمق مقدراته المادية . وإذا تركنا منطق القياسات المادية جانباً – كما تقول بعض الخطابات المبشرة بالنصر – هل يمكن الحديث عن ملامح نصر معنوي فلسطيني ، وبالتالي هزيمة معنوية إسرائيلية ، جراء إصابة العدو في بنبته السياسية أو الثقافية أو النفسية ، بمعنى هل خرج العدو من هذه المعارك أقل تشدداً تجاه رفضه التسليم بالحقوق الوطنية الفلسطينية ، وبالتالي أكثر قبولاً بعدم قدرته على النصر أو اعترافاً بأي هزيمة من أي نوع في هذه المعارك ؟ أو هل أحدثت المعارك شرخاً حاداً أو انقساماً واضحاً بين الإسرائيليين والحكومة بسبب تشددها وعدوانيتها ؟ في الحقيقة فإننا لا نستطيع أن نقبل خطابات التبشير بالنصر الذي حدث في غزة ، إلا باعتباره خطاباً يسعى لإخفاء الحقائق التي كرسها وكشف عنها العدوان الجديد ، وأهم هذه الحقائق أننا كنا أمام صمود بطولي للشعب الفلسطيني الأعزل أمام الضربات الوحشية للعدوان ، ولم نكن أمام أي نصر فلسطيني من أي نوع ، بل لم نكن في نفس الوقت أمام مقاومة حقيقية منظمة من أحد الفصائل أو بالتنسيق بين أكثر من فصيل تتقدم الشعب الفلسطيني الأعزل لتصد عنه العدوان ، أو لتقاومه وتوجه إليه الضربات الموجعة ، وهذا من أخطر الأمور التي تحاول خطابات النصر إخفاءها ، وهذا الوضع بالذات لم يكن سوى النتيجة المرة لأوضاع الاقتتال الفصائلي الفلسطيني وأوضاع التمزيق التي أسفر عنها وكرسها هذا الاقتتال . من إذن الذي انتصر ؟ وكيف انتصر ؟ وما هي علامات هذا النصر ؟ لا يوجد دليل مادي أو معنوي على ذلك ، والدليل الوحيد البارز في هذا الصدد ، أن القوات التي كانت تطلق على نفسها مقاومة ، قد انشغلت منذ زمن بعيد بالاقتتال على السلطة ، وتوصلت باقتتالها فعلياً إلى اقتسام السلطة إما حرباً أو محاصصة أو تقسيم للوزراء إن في اليمن أو في القاهرة أو في مكة ، ولم يسفر هذا الاقتتال أبداً عن مواجهة حقيقة مع العدو ، بل عن مواجهة بين الفصائل ، ووصل الاقتسام ذروته بإعلان حماس سيطرتها على غزة ، ولأن الاقتتال من أجل السلطة كان هو الأساس ، وإعلان السيطرة على غزة كان هو الهدف ، كانت المقاومة قد تخلت عن دورها في مقاومة العدو ، ولذلك حين جاء ، ، لم يجد أمامه مقاومة ذات شأن ، ولم يكن أمام أبناء الشعب الفلسطيني الأعزل إلا أن يواجهوا العدوان بصدورهم العارية ، دون طليعة منظمة ، سياسية أو عسكرية . الثوابت الوطنية : ولم يكشف هذا العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة ، عن تآكل المقاومة الفلسطينية فقط أمام حقائق الاقتتال على السلطة وتمزيق الأراضي الفلسطينية المتبقية من أراضي فلسطين التاريخية ، بل كشف كذلك عن الثمار المرة لتديين الصراع الوطني وتحويله إلى صراع بين المسلمين واليهود، وقد كانت أخطر الثمار المرة لهذا الصراع على السلطة هي تآكل الأهداف الأساسية لحركة التحرر الوطني الفلسطيني ، فلم تعد القضية الفلسطينية راية تعبر في حقيقتها وجوهرها عن الصراع الوطني التحرري ضد الاستعمار الاستيطاني العنصري التوسعي الصهيوني ، بما فجرته هذه القضية الوطنية من نضال تحرري طامح للاستقلال الوطني والحرية ، وبما قدمته من مقاومة ومن شهداء ، وبما حصدته من تأييد عالمي من كل القوى المحبة للحرية والاستقلال وحق الشعوب في تقرير مصيرها . فإذا بهذا الاقتتال يقضي على الثوابت الوطنية ، ويهدر تضحيات الشهداء ، ويظهر القضية الفلسطينية وكأنها قضية صراع ديني ، بين المسلمين واليهود ، وكأنها ليست في حقيقتها وفي أصلها قضية صراع وطني هدفه الحصول على الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في تحرير التراب الوطني وفي إقامة دولته المستقلة ، بل أعطى هذا التديين للمعتدين الفرصة تلو الفرصة ليعلنوا أكاذيبهم حول أنهم ضحايا للعدوان من المتطرفيين الإسلاميين ، وأهدر هذا الاقتتال بين الفصائل الفلسطينية الصورة الإيجابية التي تكونت عبر الكفاح والنضال كشعب مناضل من أجل الحرية والاستقلال . الدم الفلسطيني : أما أخطر ما أسفر عنه العدوان الأخير من حقائق فقد كان الاستهانة بالدم الفلسطيني ، فقد أصبح مجالاً للمزايدة بين العديد من القوى ، الإسرائيلية والإقليمية والعربية والفلسطينية نفسها ، فقد أقدمت الحكومة الإسرائيلية على العدوان على غزة كنوع من المزايدة على الدم الفلسطيني قبل الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة ، وكأن الشعار هو من يكون أكثر تطرفاً ضد الشعب الفلسطيني يكسب الانتخابات الإسرائيلية ، من يقتل أكثر عدد من الفلسطينيين يكسب الانتخابات . ومن المؤسف حقاً أن القوى الإقليمية والعربية قد فعلت ما هو أكثر من ذلك ، ليس فقط بوقوفها تتفرج على عمليات القتل والتدمير ، بل باستخدامها للدم الفلسطيني كأوراق ضغط لحل قضاياها الذاتية الخاصة مع إسرائيل أو مع أمريكا ، كمقدمات للحوار والتفاوض حول مشاكلها ، ولكي يحدث ذلك لم تسع هذه القوى الإقليمية والعربية لتوحيد الصف الفلسطيني وإنهاء حالة الانقسام التي أضرت بالقضية الفلسطينية أشد الضرر ؛ بل سعت لتكريس هذا الانقسام ، وسعت لربط نفسها بطرف ضد طرف ، وأطلقت شعاراتها الزائفة حول قوى المقاومة وقوى التهادن الفلسطيني ، وعقدت عدة قمم عربية في سبيل تكريس هذا الانقسام ، وكان التعبير الأكثر فضحاً لهذا التزييف هو عقد قمة الدوحة على مقربة أقل من كيلومتر واحد من أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط بعد إسرائيل ، ولم يكن غرض هذه القمم الضغط على إسرائيل لوقف العدوان ، أو اتخاذ قرار بتفعيل اتفاقيات الدفاع العربي المشترك ، بل إعلان حماس بديلاً عن منظمة التحرير الفلسطينية ، وإعلان كل من سوريا وإيران بأنهما يمتلكان في فلسطين أوراق ضغط تتمثل في الدم الفلسطيني ، وأن هذه الأوراق يمكن الضغط بها لحل المشاكل المعلقة . فلم تظهر الساحة الفلسطينية وحدها ممزقة ومنقسمة على نفسها فقط ، بل ظهرت الأنظمة العربية كلها واهنة ومهترئة ولا حول لها ولا قوة ، لا تنقذها من هذا الواقع خطاباتها عن المقاومة ولا مزايداتها على الدم الفلسطيني المراق في غزة ، وأظهرت الصراعات الفلسطينية والعربية القضية الوطنية الفلسطينية في أسوا أوضاعها ، بما لا يمكن أن تنقذها خطابات النصر من واقع التردي التي أوصلتها إليه أوضاع التنافس والاقتتال على السلطة في ظل الاحتلال . نحو استراتيجية جديدة : نحن نتطلع في هذا الصدد إلى القوى الوطنية الفلسطينية كلها دون استبعاد ،وفى مقدمتها القوى التقدمية والديمقراطية للقيام بدور طليعي قائد لإنهاء أوضاع الانقسام الفلسطيني ، والوقوف بقوة في وجه مخطط تصفية القضية الفلسطينية، وفي وجه عمليات الخلط التي تجري على الساحتين الفلسطينية والعربية بين المقاومة التي ترفع السلاح من أجل تحرير التراب الوطني الفلسطيني ، والمتقاتلين من أجل اقتسام السلطة الذين يرفعون السلاح من أجل تكريس الانقسام الفلسطيني . إن القضية الفلسطينية في هذا الظرف تحتاج إلى ضرورة الحوار من أجل صياغة استراتيجية وطنية جديدة للكفاح الوطني الفلسطيني في ظل الظروف الجديدة ، على أن يكون الحوار شاملاً وليس مجرد حوار ثنائي بين فتح وحماس ، أو بين السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة وحماس المسيطرة على غزة ، فمثل هذا الحوار الثنائي تكريس لمنطق الانقسام والمحاصصة واستبعاد القوى الفلسطينية غير المتورطة في الصراع على السلطة . ويتطلب نجاح مثل هذا الحوار العودة بالقضية الفلسطينية إلى ثوابتها الوطنية كحركة تحرر وطني ضد الاستعمار ومن أجل تحرير الأرض المحتلة ، والتخلص مما علق بهذه القضية من تصورات واتجاهات حولت القضية الفلسطينية إلى قضية صراع بين المسلمين واليهود ، أي حولتها من قضية تحرر وطني إلى قضية صراع ديني ، وإلى حرب دينية وهي ليست كذلك ، حتى لو أعلن الإسرائيليين الصهاينة ذلك ، فلا يجب أن نردد دون أن ندري تلك المزاعم الصهيونية ، فنخدم مصالح العدو ونضر بقضيتنا الوطنية ، فإذا كانت إسرائيل تسعى إلى تكريس دولة إسرائيل كدولة يهودية ، ونحن نرفض ذلك ونقاومه ، فهل نقوم نحن بإقامة دولة إسلامية في غزة ونتصور أننا ننصر قضيتنا أو ننصر الإسلام ؟ إن العودة إلى المبادئ والمنطلقات الأساسية لحركة التحرر الوطني الفلسطينية هي أساس الخروج بالقضية الفلسطينية من مأزقها الراهن ، وهي أساس أي حوار جديد لإنهاء حالة الانقسام والاقتتال الفلسطيني واعتبار منظمة التحرير الفلسطينية هي المرجعية الأساسية مع ضرورة أصلاحها ومقرطتها وتخليصها من الفساد والبيروقراطية وضم جميع الفصائل إليها لتكون الأداة السياسية الموحدة التي تعبر عن أرادة الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال ،مع ضرورة الاتفاق على إستراتيجية وقيادة موحدة للمقاومة تحدد أساليب الكفاح وتوقيتات استخدمها بما يعود بالمصلحة على الشعب الفلسطيني ، مما يدعم الوحدة الوطنية الفلسطينية كأساس للكفاح الموجه ناحية العدو بكافة الطرق والأساليب . كذلك فإن هذه الوحدة الكفاحية تتطلب عدم الوقوع في فخ المحاور التي تقيمها وتصنعها الأنظمة العربية المتهالكة ، وكذلك بعض الأنظمة الإقليمية ، فأساس قيام هذه المحاور ليس تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة ، بل هدفها استخدام الدم الفلسطيني كأوراق ضغط في مخططات تدشين علاقاتها الجديدة مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية . إن أي استراتيجية جديدة للكفاح الوطني الفلسطيني تحتاج إلى المصارحة ومواجهة الأخطاء كأساس للقدرة على مواجها الأخطار ، وتحتاج إلى عدم الخلط بين الأماني الوطنية والأوهام ، وتحتاج إلى حوار شامل يقوم على المصارحة التامة ، بهدف وضع استراتيجية جديدة ملائمة لهذه المرحلة الصعبة ، استراتيجية تنقذ القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني مما يحاك لهما من مخططات تهويد وابتلاع للأراضي الفلسطينية ، ومخططات ليس رفض العودة فقط ، بل طرد الشعب الفلسطيني من عرب 1948 وعرب الضفة وغزة ، ومخططات التوطين في سيناء والعراق واليمن ولبنان ، وإظهار القضية الفلسطينية كمجرد قضية لاجئين في حدها الأدنى ، وإرهاب للمتطرفين المسلمين في حدها الأقصى ، وغير ذلك من المخططات .

السكرتارية المركزية للحزب الشيوعى المصرى

About Communist Party of Egypt

الحزب الشيوعى المصرى Communist Party of Egypt
هذا المنشور نشر في بيانات وتصريحات الحزب, علاقات عربية وأممية وكلماته الدلالية , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على بعد العدوان على غزة ضرورة العودة الى المبادئ والمنطلقات الأساسية

  1. يقول بلعربى:

    ان فلسطين لن ولن تتحرر مثلها فى ذللك مثل جميع الدول العربية التى تتوهم انها نالت استقلالها وحريتها وعليه فان الفلسطنين الاحسن لهم الانضواء والسير والانخراط فى الحكم الاسرائيلى وقد يكون ذللك اهون من ان يحكموا من طرف اشخاص يلهثون وراء المتعة والجنس ويفعلون ما يعجز الانسان عن وصفه ويعودون فى المساء يصيحون ويتدروشون مدعين بانهم مسلمون وبانهم خبراء فى فقه الحيض و النكاح. ان مجتمعات تقطع فيها الالسنة ويسجن فيها الناس بسبب او بدون وتسير على الاهواء. لا ينتظر منها اى شىء. وعليه فهم مخيرون ما بين ان يحكموا من طرف حكام اغبياء وبدو يين ولا يفكرون الا فى الفروج وضعتهم القوى الاستعمارية وهى تمللك ان تغيرهم وان تذلهم وان تشنق وتحاكم من يخرج عن الخط المرسوم له’ وهؤلاء لا يجدون امامهم الا شعوبهم للبطش بها وتعذيبها والسير بها الى الخلف. والفاهم يفهم

التعليقات مغلقة.