موقفنا من التطورات الأخيرة في مصر والعالم

تقرير سياسي

تشهد الأوضاع الدولية والإقليمية والعربية والمصرية تحولات هامة ، سوف نكرس هذا التقرير لعرض ومناقشة وتحليل أهم عناصرها وتحديد موقفنا السياسي منها .

الأوضاع العالمية :

بعد تفكك النظام السوفييتي ومنظومة دول أوربا الشرقية الاشتراكية في أوائل العقد الأخير من القرن العشرين سعت الإمبريالية الأمريكية إلى تأكيد سيطرتها المنفردة على العالم ، دوله وشعوبه ، وظل هذا الهدف هو المحرك الرئيسي للإدارات الأمريكية تحت حكم الحزب الديموقراطي والحزب الجمهوري ، ووصلت جهود أمريكا لتحقيق هذا الهدف إلى ذروتها بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 ، حيث اتخذت إدارة بوش الابن وجناح المحافظين الجدد هذه الأحداث مبرراً لشن الحروب الاستعمارية واحتلال الدول تحت ذريعة الحرب ضد جماعات الإرهاب وضد الدول المارقة لمنعها من امتلاك أسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية .

وبالفعل تم إطلاق التصريحات والرسائل الأمريكية التي تهدد أفغانستان والعراق وكوريا الشمالية وسوريا وإيران وليبيا باستخدام القوة المسلحة والأسلحة النووية ضدها إذا لم تذعن لسياسات ومخططات الولايات المتحدة الأمريكية .

وقاد بوش وديك تشيني ورامسفيلد والمحافظين الجدد هذه الاستراتيجية ، فتم احتلال أفغانستان ثم غزو العراق واحتلال أرضه في مارس 2003 بموافقة أعضاء الكونجرس الأمريكي من الحزبين الجمهوري والديموقراطي .

لكن هذه الاستراتيجية التي تصور أصحابها أنها نجحت بمجرد دخول قواتها لاحتلال العراق ، لم تلبث أن غرقت في بلاد الرافدين ، وأصبح جيشها ضيفاً مرفوضاً وغير مرغوب فيه من عدد غير قليل من الفئات والطوائف ، وسقط من جنود أمريكا والتحالف الاستعماري بعد الاحتلال ودخول الجيوش أضعاف مضاعفة لمن سقطوا في معارك الغزو ، وأسفرت نظرية الفوضى الخلاقة لإقامة الديموقراطية في العراق عن اندلاع المقاومة وانفجار الطوائف واندلاع الصراعات الطائفية .

ونتجت أوضاع جديدة عن الغزو الأمريكي للعراق تزاوجت فيها وتداخلت أوضاع المقاومة مع أوضاع النهب والسلب مع أوضاع الحرب الأهلية والطائفية مع أوضاع الثأر العشائرية مع التدخلات الإقليمية ، وتحولت العراق التي ذهبت إليها الولايات المتحدة الأمريكية تحت شعارات القضاء على أسلحة الدمار الشامل والقضاء على الإرهاب إلى ملعب كبير لاستخدام وتنمية أسلحة الدمار ، وإلى معسكر مفتوح لتوالد العنف الطائفي والعشائري ، ومزرعة للقتل والإرهاب .

لم تتمكن الإدارة الأمريكية بقيادة بوش من تقديم احتلالها للعراق كنموذج مقنع لما أعلنته من استراتيجية للحرب ضد الإرهاب ، أو للقضاء على النظم المستبدة ، أو لنشر قيم ونظم وثقافة الديموقراطية ، على العكس من ذلك ، ارتكبت الولايات المتحدة الأمريكية تحت قيادة بوش في سبيل خطتها الاستعمارية مجازر وأفعال مخزية ، نافست بها أتعس النظم الفاسدة أو المستبدة .

وأدت هذه السياسة العدوانية إلى ضعف نفوذ أمريكا عالمياً ، حيث تصاعدت خلافاتها مع حلفائها ، وبدلاً من استمرار العمليات العدوانية ضد سوريا وإيران بعد الانتهاء من غزو العراق كما كان يقضي مخطط المحافظين الجدد ؛ اضطرت إدارة بوش إلى التفاوض معهما ، وبدلاً من رفض ما كانت قد أقرته إدارة كلينتون السابقة من ضرورة التفاوض مع كوريا الشمالية ، اضطرت إدارة بوش آخر المطاف أن تتفاوض معها .

وكان أعظم الفشل للمحافظين الجدد في أمريكا نفسها ، حيث أصبحت الأغلبية العظمى من المواطنين الأمريكيين ضد مخططات بوش العدوانية ، ضد مخططات شن الحروب الجديدة والاستمرار في احتلال العراق ، وتصاعدت المظاهرات في مختلف المدن الأمريكية مطالبة بوقف الحرب والخروج من العراق وعودة الجنود إلى بلادهم ، وانتقلت الأغلبية البرلمانية من حزب بوش الجمهوري إلى الحزب الديموقراطي .

إن مقاومة شعوب العالم في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأوروبا وآسيا لسياسات المحافظين الجدد هي ما وضعت هذه السياسات على طريق الفشل ، وهذا تحول هام ، على أن ما يجرى بين الحزبين الديموقراطي والجمهوري من تنافس وتحويل في النفوذ بين المواطنين الأمريكيين ، لا يمكن المبالغة في دلالاته ، أو النظر إليه خارج سياق المخطط الإمبريالي الكوني للولايات المتحدة الأمريكية ، فهو في النهاية ليس أكثر من محاولة لتعديل السياسة التي وضعها ونفذها المحافظون الجدد وتبين فشلها ، ولذلك فهذا التنافس لا يهدف لتغيير مخطط السيطرة الأمريكية على العالم ؛ بل هو بالأحرى تعديل لضمان استمرار مخططات السيطرة والهيمنة ليظل القرن الحادي والعشرين قرناً أمريكياً .

فالمخطط الاستراتيجي الأمريكي سيظل مرتكزاً على توجهات أساسية ، تقوم على متابعة توثيق العلاقات بين بلدان شرقي أوروبا (الاشتراكية سابقاً) بالسياسة الأمريكية عن طريق دعم انضمامها إلى الحلف الأطلسي ، وتقوم في الشرق الأوسط بتأكيد وجودها تحت ضغط الوجود الفاعل لقوات الانتشار السريع على هذه البلاد ، مع إقامة القواعد والتسهيلات العسكرية لحماية المصالح الأمريكية .

وقد قررت أمريكا مؤخراً إنشاء قيادة عسكرية جديدة لأفريقيا ، لتنضم إلى القيادات التي أنشأتها في مختلف مناطق وقارات العالم ، وخاصة القيادة المركزية التي أنشأتها في الشرق الأوسط لحماية مصالحها النفطية ودعم نفوذ إسرائيل الصهيونية في منطقتنا العربية ، وسوف تكون المهمة الأساسية للقيادة العسكرية الأمريكية الجديدة في إفريقيا هي تأكيد سيطرة أمريكا على مصادر النفط التي تم اكتشافها بصورة متسارعة في كثير من بلدان أفريقيا في السنوات الأخيرة ، وكذلك توطيد العلاقات الأمريكية مع مجموعة بلدان غرب أفريقيا الغنية بمصادر النفط وبلدان جنوبي أفريقيا ، وحماية مخططاتها الاقتصادية في الشرق الأوسط مثل الكويز وغيرها من مخططات دمج إسرائيل في الاقتصادات العربية عن طريق مخطط الشرق الأوسط الجديد .

وفي سبيل هذه الأهداف الأمريكية في السيطرة على العالم تعزز الإمبريالية الأمريكية إلى أقصى مدى من قواتها العسكرية ، حتى بلغت الميزانية المخصصة لتنمية هذه القوات في السنة المالية الحالية أكثر من 400 ألف مليون دولار ، كما زاد اعتماد السياسة الأمريكية على الأسلحة النووية ، فقررت إنتاج رؤوس نووية جديدة بالغة التطور مما يعني تزايد الانتشار النووي رأسياً ، وواصلت أمريكا إنتاج أنظمة صاروخية جديدة تدمر صواريخ الخصم التي عرفت في الماضي بحرب النجوم ، بل أعلنت عزمها على إنشاء قواعد لهذه الصواريخ النووية على أرض دولتي بولندا والتشيك بالقرب من روسيا من اجل تغيير علاقات القوى النووية لصالحها ، وهي خطوة تعيد من جديد أجواء الحرب الباردة السابقة .

ويستند التوسع العسكري الأمريكي على ثلاث ركائز هي تحالفها العسكري مع اليابان في شرق آسيا والمحيط الهادي ، ودفعها حلف شمال الأطلسي للتوسع نحو الشرق في اتجاه روسيا ثم الجنوب في الشمال الأفريقي والشرق الأوسط الكبير وقيادة الحلف للعمليات العسكرية في أفغانستان ، ثم استخدام قوات الانتشار السريع والقواعد العسكرية في البلاد العربية .

وهكذا لم تعد قوات الانتشار السريع هي الجهاز العسكري لحماية المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط فحسب ؛ بل كذلك نقطة انطلاق لتعزيز العمليات العسكرية الأمريكية عالمياً ، فتصبح الشعوب العربية رهينة مغامرات أمريكا العسكرية ضد الأوطان العربية ، ورهينة مخططات امريكا ضد القوى والأقطاب البازغة التي تهدد انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالعالم مثل روسيا والصين .

وعلى الرغم من هذه المخططات العسكرية الأمريكية فإن استراتيجية الانفراد الأمريكي بالعالم تتعرض في السنوات الأخيرة لضربات قاصمة ، فلم تسفر عملية احتلال العراق عن نصر أمريكي حاسم ؛ بل أسفرت عن انفجار المقاومة والطوائف العراقية في وجه الجيش الأمريكي ، ولم تسفر عمليات السيطرة على النفط العربي عن قطع الطريق على ظهور عالم جديد متعدد الأقطاب ؛ بل يشهد العالم عملية بزوغ جديد لقطبية جديدة تلعب فيها الصين والهند وروسيا وتكتل أمريكا اللاتينية بدايات جديدة لعالم جديد لا تنفرد فيه الولايات المتحدة بالعالم .

وفي الفناء الخلفي للولايات المتحدة الأمريكية جاء فشل استراتيجية الليبرالية الجديدة الأمريكية للسيطرة على العالم بصورة مختلفة ، بصورة تمردات شعبية إيجابية وحركة صاعدة لليسار في أمريكا اللاتينية ، وهي حركة شعبية يسارية رافضة للهيمنة الأمريكية على القارة ، رافضة للبرنامج السياسي والاقتصادي لتيار الليبرالية الجديدة الذي تسبب في إفقار الفئات والطبقات الشعبية اللاتينية عن طريق خصخصة الخدمات الاجتماعية ورفع أسعار السلع الأساسية .

وقد حملت هذه التحركات والتمردات الشعبية قادة الأحزاب والتحالفات الشعبية الاشتراكية إلى الحكم طوال عامي 2005 و2006 في عدد كبير من دول أمريكا اللاتينية ، من بينها فنزويلا والأرجنتين وبوليفيا وشيلي والبرازيل والأكوادور والأوروجواي ونيكاراجوا وبيرو وغيرها من دول أمريكا اللاتينية ، عبر انتخابات شعبية تعلن استيقاظ أمريكا اللاتينية والتحالفات الشعبية اليسارية المناهضة للهيمنة الأمريكية والمناهضة لسياسات الرأسمالية المتوحشة ، التي قامت أمريكا وأدوات العولمة الرأسمالية في تجريبها في جنوب القارة طوال عقد التسعينات من القرن العشرين .

هكذا فإن جديد الوضع الدولي هو تنامي الضربات التي وجهت لخط المحافظين الجدد بزعامة بوش ، وعدم قدرة هذا المخطط اليميني الأمريكي على تحقيق أهدافه المعلنة وغير المعلنة ، فقد انطوت هذه الخطة على مغامرة كبرى بإشعال الحرائق والحروب لتحقيق أهداف السيطرة على منابع النفط ، والتحكم في سوقه وأسعاره ، وقطع الطريق على نمو أقطاب دولية جديدة تنافس الولايات المتحدة الأمريكية ، والقضاء على الإرهاب الذي هدد أمريكا في عقر دارها ، وتغيير النظم المناوئة أو المارقة كما أسمتها خطة بوش الدولية ، واستمرار هيمنة خط الليبرالية الجديدة على العالم دون مقاومة .

ومن الواضح الآن أن مخطط المحافظين الجدد قد فشل في تحقيق أي من هذه الأهداف ، فقد فجر هذا المخطط الدولي المغامر أشكالاً وصوراً مختلفة للمقاومة والرفض ، وأشكالاً وصوراً مختلفة من الفوضى والنتائج العكسية .

وعلى الرغم من مخططات عسكرة العولمة واحتلال الدول والإفراط في حمى التسلح وإقامة القواعد العسكرية فقد تفجرت في وجه هذا المخطط اليميني المغامر أربع صور أساسية يمكن إيجازها كالتالي :

1) فقد تفجرت فوضى العنف والإرهاب والطائفية في الشرق الأوسط الكبير وفي العراق بصفة خاصة ، والذي تحول إلى مفرخة للعنف والإرهاب والطائفية .

2) وتفجرت الحركة العالمية المناهضة للعولمة الليبرالية الجديدة والحرب الأمريكية وانتظمت كحركة عالمية في أنحاء مختلفة من العالم وبصفة خاصة في أوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية .

3) كما اتخذ الرفض الموجه لمخطط الليبرالية الجديدة صورة الصعود الإٌيجابي الجديد لليسار الشعبي الرافض لمخطط الخصخصة وسيطرة آليات السوق وعسكرة العالم في عدد من دول أوروبا وبصفة خاصة في أمريكا اللاتينية .

4) أما الصورة الرابعة التي ظهرت كاتجاه معاكس للمخطط اليميني المحافظ فقد تمثلت في بداية صعود أقطاب جديدة إقليمية ودولية – سياسية واقتصادية – مناوئة لاستراتيجية بوش في كل من الصين وروسيا وإيران والاتحاد الأوروبي وبصفة خاصة في فرنسا وإيطاليا وأسبانيا .

فهل يعني هذا الفشل أن تكف استراتيجية الهيمنة الأمريكية عن تنفيذ مخططاتها الكونية في محاولاتها للسيطرة على العالم ؟ بالطبع لا ، كما أن استراتيجية بوش نفسها ، تلك التي وجهت لها الضربات وظهرت بوادر إفلاسها من داخل وخارج أمريكا ، لن تكف عن إثبات قدرتها على إشعال الحرائق ، وقدرتها على تقديم المغامرات الوحشية ، والبحث عن أهداف جديدة لاستمرار دوران آلة الحرب الأمريكية ، وإثبات التفوق والجدارة على قيادة الرأسمالية العالمية .

الأوضاع الإقليمية والعربية :

تسيطر الفوضى على المنطقة العربية برمتها ، وإذا كانت الفوضى غير الخلاقة في العراق صناعة أمريكية باعتباره يعيش فوضى الاحتلال ؛ فإنها في البلاد العربية الأخرى ليست بعيدة بالضرورة عما يجري في العراق ، ولا بعيدة بالضرورة عن الآثار المباشرة وغير المباشرة للاستراتيجية الأمريكية في ظل مأزقها الراهن ، إن السمة الأساسية التي تعيشها أغلب بلادنا العربية هي فوضى الاحتلال والاقتتال والاغتيال .

وعلى الرغم من الضربات الموجهة لاستراتيجية بوش والمحافظين الجدد ؛ إلا أن أنظمة الحكم العربية مازالت غارقة في تبعية ذليلة لهذه المخططات الأمريكية ، ومازالت تروج لتوجهاتها السياسية والاقتصادية التي أثبتت فشلها في أنحاء متفرقة من العالم ، وتكاد هذه الأنظمة أن تكون ملكية أكثر من الملك ، فبينما توجه شعوب العالم وأغلب حكومات أمريكا اللاتينية وبعض حكومات آسيا وأوروبا نقداً عنيفاً للمخطط السياسي والاقتصادي المتوحش لليبرالية الجديدة وللمحافظين الجدد ، نجد أن المصالح الطبقية الضيقة لأنظمة الحكم العربية تقود هذه الأنظمة على طريق التبعية والفساد وإفقار الشعوب العربية ، وتظهر نظمنا العربية باعتبارها الداعم الأكبر لنظم الليبرالية الجديدة ولاستراتيجية بوش والمحافظين الجدد .

وفي ظل نظم التبعية والإفقار تعيش أغلب بلادنا العربية أوضاع فوضى الاحتلال والإفقار ، وفوضى الاقتتال والاغتيال والتناحر الداخلي ، حيث يعيش لبنان فوضاه الخاصة ، فوضى الانقسام الحاد الذي نشأ بقوة بعد انتهاء الحرب اللبنانية / الإسرائيلية عام 2006 ، فقد بلورت الحرب الأخيرة الجبهات وحددتها ، لكن الانقسام اللبناني في حقيقته سابق على الحرب ، لأنه يمتد عبر تاريخ طويل من البنية الطائفية ، فالطفل في لبنان يولد في طائفة ويتعلم الانتماء للطائفة ، والمواطنون اللبنانيون يحتمون بالطائفة ، ويحصلون على احتياجاتهم اليومية عبر الطائفة ، وتكاد جغرافيا لبنان تتطابق مع جغرافيا الطوائف ، لكن الحرب الإسرائيلية اللبنانية الأخيرة لها فضل بلورة الانقسام وتحديده في اتجاهين متعارضين :

اتجاه الحكومة المدعوم في نفس الوقت عربياً ودولياً ، عربياً من السعودية والأردن والقاهرة ، ودولياً من فرنسا والولايات المتحدة وإسرائيل ، واتجاه المعارضة المتحالف مع حزب الله ، المدعوم عربياً وإقليمياً ، عربياً من سورياً وإقليمياً من إيران

فالمتتبع لفيروس الفوضى العربية الراهنة يكتشف طابعه الطائفي الجديد ، ذلك الذي لا يقف بالصراع الطائفي عند حدود الانقسام الإسلامي / المسيحي ؛ بل يتخطاه إلى الصراعات المذهبية متخذا خط الانقسام السني / الشيعي ، وكان هذا الفيروس في لبنان يبحث عن انقسام سني / شيعي يدور حول العلاقة بكل من سوريا وإيران ، فهل أفشلت الحرب هذا الاتجاه ؟

في حقيقة الأمر فإن صراع القوى في لبنان يمثل وضعا انتقالياً جديداً تتداخل فيه الأسباب والدوافع الداخلية اللبنانية مع المصالح الإقليمية والعربية مع التدخلات الدولية ، فلا يوجد طرف في لبنان إلا وله امتداد عربي أو إقليمي أو دولي ، الأمر الذي يدفع الكثير من المحللين باتجاه تركيز الحديث عند الصراعات والأهداف الإقليمية لكل من سوريا وإيران ودولة إسرائيل ، ومن قلب هذا الاتجاه تظهر النزعة المذهبية في التحليل حول الصراع بين الشيعة والسنة ، وبصفة خاصة التركيز على خطر الدور الشيعي الإيراني على السنة في لبنان والعراق وكل المنطقة العربية .

ودون تجاهل لأي طموحات إقليمية إيرانية ؛ ودون تجاهل للبعد الطائفي في صراع القوى في لبنان ، فإنه لا يجب التمادي في إخفاء الطابع السياسي الوطني للصراع ، وبصفة خاصة بعد الانتخابات التشريعية اللبنانية لعام 2005 التي أدت إلى انقسامات وصرا عات داخل كل طائفة ، وأنتجت تحالفات سياسية جديدة ممتدة بين الطوائف ، وتوزعت الزعامات في هذه التحالفات الجديدة بعيداً عن منطق التوزيع الطائفي ، وجاءت الحرب اللبنانية / الإسرائيلية لعام 2006 لتؤكد على هذا الواقع الجديد ، واقع ظهور الفريقين السابق الإشارة إليهما .

إن إنقاذ لبنان من مخاطر الحرب الأهلية – في رأينا كما في رأي القوى الوطنية الديموقراطية والحزب الشيوعي اللبناني – لابد له أن يسير على طريق مناهضة مخططات تكريس الطائفية ، ومناهضة مخططات الهيمنة الدولية والصهيونية ، ومناهضة مخططات الهيمنة الإقليمية ، فهذه المخططات الثلاث لا تحمل فقط مخاطر هيمنة القوى الرجعية غير الديموقراطية الموالية للصهيونية على الحكم ؛ بل تحمل أيضاً مخاطر تفتيت لبنان وتحويله إلى دويلات طائفية متصارعة .

وعاش الشعب الفلسطيني مأساة التصادم والاغتيال والاقتتال المسلح بين حركتي فتح وحماس ، وهي مأساة طالما حذرنا من الوصول إليها ، لكن الفرقاء في الضفة وغزة لم يتمكنا من التعايش تحت مظلة سلطة فلسطينية برأسين وبرنامجين ، سلطة الرئيس وسلطة رئيس الوزراء ، وبرنامج فتح وبرنامج حماس ، خاصة بعد أن تمكنت فتح من الانتقال من وضع المقاومة إلى وضع السلطة ، ومحاولة حماس الاحتفاظ بوضع المقاومة والسلطة في نفس الوقت ، وعدم قدرة حماس على دفع استحقاقات تحولها إلى سلطة أو دفع استحقاقات استمرارها كمقاومة ، برفضها الإقرار بما تم التوصل إليه من اتفاقيات قبل وصولها إلى السلطة ، وعدم قدرتها على القيام بدورها كحكومة تجاه شعبها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية .

وخلقت هذه الأوضاع الجديدة تعقيداً شديداً في الساحة الفلسطينية ، ذلك الذي تمثل في زيادة حدة الحصار الإسرائيلي والدولي للشعب الفلسطيني ، وبصفة خاصة زيادة حدة الحصار الاقتصادي والتدفق المالي ، وعودة الدبابات الإسرائيلية إلى قطاع غزة ، ونمو ظاهرة خروج المواطنين والموظفين للتظاهر بعد عجز الحكومة عن دفع الأجور لعدة شهور .

وفي ظل هذه الأوضاع تراجع الاهتمام بالأعمال العدوانية الإسرائيلية من جانب الحركتين الكبيرتين ، وبات الفلتان الأمني والاحتكاك بين القوى التابعة لوزارة الداخلية والتابعة لرئيس السلطة هو سيد الموقف ، وارتفعت حدة الهجوم الإعلامي والتلاسن بين قيادات كل من فتح وحماس ، وبين وزير داخلية حماس ومسئولين أمنيين تابعين للرئاسة ، وخرجت التظاهرات الحاشدة من الجانبين ، واستخدم الرصاص في عدة احتكاكات وتظاهرات ، وسقط القتلى من الجانبين ، وسال الدم الفلسطيني بالسلاح الفلسطيني .

ولم تتمكن الفرق الفلسطينية لفترة طويلة من التوصل وحدها إلى تنفيذ مقترحات تشكيل حكومة وحدة وطنية ، أو حكومة تكنوقراط ، توسطت دول الطوق وبصفة خاصة الأردن ومصر وسوريا لمحاصرة أوضاع التقاتل والاغتيال والفلتان الأمني ، واتفقت القوى الفلسطينية أكثر من مرة على أن الدم الفلسطيني خط أحمر ، وبعد محاولات عدة من الدولة المصرية – التي اختزلت السلطة دورها في فلسطين المحتلة إلى مجرد دور أمني – تقدمت المملكة العربية السعودية لتظهر في مقدمة المسرح العربي في كل من لبنان وفلسطين ودعت لاجتماع مكة الذي أسفر عن اتفاق جديد بين فتح وحماس في فبراير 2007 .

أدى اتفاق مكة الذى تم برعاية المملكة العربية السعودية ومباركة خادم الحرمين ، الى تشكيل حكومة وحدة وطنية ، ودعوة حماس إلى الانخراط فى العملية السياسية والدخول فى إطار منظمة التحرير الفلسطينية ، وإعلان احترامها للاتفاقات الدولية .

فهل تستطيع المنظمات الفلسطينية وعلى رأسها فتح وحماس الخروج من مأساة الوضع الفلسطيني الراهن عبر حكومة الوحدة الوطنية التي تم تشكيلها من كل من حماس وفتح ومشاركة رمزية من كل من الجبهة الديموقراطية وحزب الشعب والبديل الديموقراطي وعدد من الشخصيات المستقلة ؟

أم ان الوضع المعقد في الضفة وغزة سيظل مرشحاً للتفجر من جديد ؟ خاصة فى ظل الضغوط الهائلة التى تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل على النظم العربية قبل اجتماع القمة فى الرياض من اجل عدم التنفيذ الفعلي لأسس المبادرة العربية وخاصة حق العودة وحدود أربعة يونيه والقدس العربية كعاصمه للدولة العربية وتطبيع العلاقات مع إسرائيل .

وإذا أضفنا أوضاع الاقتتال والصراع في كل من السودان والصومال ستظهر صورة الوضع العربي كأوضاع تسيطر عليها فوضى الصراعات الداخلية والاقتتال الداخلي التي تتداخل معها الطموحات الإقليمية لكل من دولة إسرائيل وإيران وأثيوبيا ، وتتدخل فيها وتستثمرها الاستراتيجيات الرأسمالية العالمية وفي القلب منها الاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة الأمريكية .

حيث تسيطر أمريكا على القوات المسلحة العربية ، باعتماد هذه القوات على ما ترسله أمريكا من قطع غيار عسكرية ومن خبراء لتدريب القوات ووضع برامج التدريب على ما ترسله من أسلحة ، وقد بلغ ما تنفقه السعودية على شراء الأسلحة هذا العام خمسون ألف مليون دولار ، وبلغت قيمة الأسلحة التي ستشتريها الكويت ودولة الإمارات عشرة آلاف مليون دولار ، ونفس الوضع فيما يتصل بالمساعدات العسكرية الأمريكية لمصر ، فقد وصل الأمر إلى أن تقرر القيادة المركزية لقوات الانتشار السريع الأمريكية كمية ونوع الأسلحة التي تصدر للحكومات العربية والحكومة المصرية ، وهذا معناه أن الجيوش العربية قد أصبحت تحت إشراف وتوجيه وزارة الدفاع الأمريكية .

وتبين هذه الأوضاع استمرار عجز وتواطؤ الأنظمة العربية الاستبدادية عن قيادة دولها وتحقيق مصالح وطموحات الشعوب العربية في التنمية والاستقلال والحرية ، حيث رضوخ هذه الأنظمة لمخططات الهيمنة الأمريكية ، والاستمتاع بأوضاع التبعية الشاملة الاقتصادية والسياسية ، دون أي قدرة على استثمار التناقضات الدولية الجديدة في القيام بأي أدوار وطنية مستقلة ، والاكتفاء بدور التابع فاقد الإرادة ، وفي ظل هذا الوضع يجري الترويج والمبالغة في مخاطر الدور الإيراني ، ومخاطر التوسع الشيعي ، وهي مبالغة تؤدي – في رأينا – إلى إخفاء مسئولية الاستراتيجية الأمريكية والصهيونية في تفجير أوضاع الصراع والاقتتال والطائفية في أكثر من بلد من بلادنا العربية ، وإخفاء مسئولية هذه الأنظمة نفسها في تكريس حالة العجز العربي ، وإخفاء أوضاع الصراع الوطني خلف مثل هذه الادعاءات ، والأكثر من ذلك إخفاء حقائق تشكيل حلف رجعي عربي جديد من كل من السعودية ودول الخليج ومصر والأردن كذراع محلي لحماية المصالح الأمريكية والصهيونية في منطقتنا العربية .

الأوضاع في مصر :

وفي مصر مازالت الأزمة الشاملة مستمرة في تفاقمها ، نتيجة لسياسات الحكم الخاضع لأوضاع التبعية ، وإصراره على تطبيق استراتيجية التثبيت والتكيف الهيكلي والخصخصة وبيع القطاع العام ، والاعتماد على الخارج عن طريق سياسات الاستدانة والاستيراد والخضوع للشروط الخارجية ، وقد أدت سياسات الخصخصة وبيع الشركات والمؤسسات العامة للطبقة الرأسمالية الجديدة من أفراد القطاع الخاص وعناصر بيروقراطية الدولة ، وتعويم العملة الوطنية وربطها بالدولار الأمريكي ، إلى تفاقم معدلات البطالة ومعدلات التضخم وارتفاع الأسعار ، وارتفع العجز في الميزان التجاري وتدهورت قيمة الجنيه المصري وانتشر الفساد وتراجعت معدلات النمو الحقيقي ومعدلات الاستثمار ، وتزايد الدين المحلى والدين العام .

وبات من الواضح أن سلطة التحالف الطبقي الرأسمالي الحاكم في مصر لا تملك ما تقدمه للشعـب المصري سوى سياسات الأزمة بإصرارها على الاستمرار في تطبيق سياسات الخصخصة واستكمال بيع شركات القطاع العام والبنوك ، واتجاهها لخصخصة الخدمات ، وبصفة خاصة خصخصة التعليم والصحة والتأمين الصحي ، وهو اتجاه يعبر عن انحياز أيديولوجي للقبول بسياسات التبعية لتيار الرأسمالية الليبرالية الجديدة الذي فاقمت نصائحه وأوامره من أوضاع الفقر في العالم وتسببت في زيادة أعداد العاطلين عن العمل وأعداد العاملين في مهن هامشية ، وتسببت في انهيار الاقتصاديات المحلية والعملات الوطنية لكل الدول التي طبقت تلك السياسات في الجنوب .

1- الأوضاع الاقتصادية :

لعل أهم مؤشر لتردي الأوضاع الاقتصادية في مصر هو ما أنتجته هذه الأوضاع من فوارق وفجوات بين الطبقات ، وما أدت إليه سياسات التبعية والخصخصة من إفقار ومن تناقص في الأجور الحقيقية لأفراد الطبقة العاملة والعاملين بأجر عموماً . حيث تؤكد التقديرات عن عام 2004/2005 أن نصيب أفقر 20% من السكان لا يزيد على 8% من الدخل الإجمالى ، بينما بلغ نصيب أغنى 20% من السكان 45% من الدخل ، أى ما يقرب من نصف الدخل الإجمالى ، أما الأربعون فى المائة الأفقر من السكان فلم يزد نصيبهم من الدخل الإجمالى على 20%.

وتزايد الفقر والفقراء فى مصر، فبعد 23 سنة من حكم مبارك، أى فى 04/ 2005، تقدر المعلومات المتاحة أن نسبة الفقراء قد ارتفعت إلى 50%.

وقد تدهور ما تقدمه الدولة من دعم لجماهير الشعب المصري عاماً بعد عام ، فقد هبط نصيب الفرد من الدعم المباشر الحقيقى (بأسعار 1995) من 286 جنيها فى 1975إلى 117 جنيهاً (بأسعار 1995) فى 04/2005 وهو يقل عن مستواه فى 1975 بحوالى 60%.

وإجمالاً، تعرض نصيب الفرد من الدعم المباشر الحقيقى للانخفاض بمعدل 3% سنوياً طوال الثلاثين عاماً التى انقضت منذ تبنى سياسة الانفتاح وإعادة الهيكلة الرأسمالية للنظام الاقتصادى والارتماء فى أحضان الولايات المتحدة الأمريكية.

وترتب على ما أصاب الأسعار من ارتفاع بسبب التناقص الكبير فى الدعم، ونتيجة للعجز المستمر فى الموازنة العامة للدولة، وبسبب الفشل فى تحقيق التنمية الاقتصادية، أن أدى ذلك إلى تدهور ملحوظ في مستوى الأجور الحقيقية، أى فى مستوى معيشة غالبية المصريين، الذين يعتمدون على قوة عملهم – لا على ممتلكاتهم – فى تحصيل دخولهم.

والظاهر من البيانات المتاحة أن متوسط الأجر الحقيقى للمشتغل فى 99/2000 أى بعد 18 سنة من حكم الرئيس مبارك كان أقل من مستواه عندما تسلم مبارك الحكم بنحو 13%.

وتشير البيانات التى تضمنها تقرير معهد التخطيط القومى عن الاقتصاد المصرى (سبتمبر 2006) إلى أن متوسط الأجر الحقيقى للمشتغل قد تعرض للهبوط بمعدل 2% سنوياً خلال الفترة الأحدث 01/2002 – 04/2005.

فإذا تذكرنا بالتوازي مع هذه الأوضاع تزايد أعداد العاطلين عن العمل الذين بلغ عددهم أكثر من 7 مليون عاطل ، واستمرار التوسع في أعداد سكان العشوائيات والقبور والتوسع في المهن الهامشية كماسحي الأحذية وباعة الرصيف والسريحة في عربات النقل العام ، تعرفنا على تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تعيش فيها الأغلبية الكاسحة من فئات وطبقات الشعب المصري .

وبالتجاور مع تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتزايد أعداد الفقراء ، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء ، واتساع ظواهر الفساد ، شهد المجتمع المصري في الأعوام الأخيرة سلسلة من الكوارث التي تنبئ عن اتساع ظواهر الإهمال والتسيب التي تحميها أجهزة الدولة وكبار المسئولين فيها .

فقد شهد المجتمع المصري كارثة العبارة 98 التي مثلت نموذجاً للإهمال والفساد الذي تحميه سلطة الدولة ورجالها ، ونموذجاً للتضحية بحياة مئات وآلاف البشر في سبيل تتدفق الأرباح بلا توقف ، ولحقت بهذه الكارثة البحرية مسلسل كوارث القطارات وكوارث قصور الثقافة وبصفة خاصة الكارثة المفجعة لحريق قصر ثقافة بني سويف الذي قضى على عدد كبير من الكتاب والنقاد والفنانين المبدعين وقضى على فرق مسرحية كاملة في ليلة واحدة .

وكما شهد المجتمع المصري اتساع ظواهر الفساد المالي والإداري والسياسي ؛ شهد تبلوراً نموذجياً لظواهر احتكار صناعي وتجاري فجة في سلع استراتيجية كحديد التسليح والأسمنت ، كما شهدت عمليات بيع شركات القطاع العام فساداً في مراحل التقييم واستقبال العروض وتسريب المعلومات والبيع والتصرف في حصيلة البيع ، واتسمت هذه المراحل المختلفة بغياب الشفافية والفساد الإداري الذي أهدر الملايين من ثروة الشعب المصري ، كما اتسمت هذه المرحلة بظهور عقيدة البيع بأي سعر ولأي مستثمر وظهر كأن الهدف هو البيع في حد ذاته .

2- الهجمة الجديدة ضد الفلاحين :

ومع سياسات الخصخصة لمؤسسات وشركات القطاع العام الصناعي والمالي وخصخصة الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة ، يشهد الريف المصري تداعيات القانون 96 لعام 92 لاستكمال عمليات طرد الفلاحين من الأرض الزراعية ، فبعد انتهاء عمليات طرد المستأجرين وتوطين علاقات الزراعة دون تعاقد ودون أي حماية قانونية ؛ بدأت موجة جديدة من الهجوم الوحشي على فلاحي الإصلاح الزراعي ممن كانوا قد استلموا قطع الأرض ودفعوا ثمنها للهيئة العامة للإصلاح منذ بداية تطبيق قوانين الإصلاح الزراعي في الخمسينيات والستينيات .

ويقوم بالهجمة الجديدة تحالف طبقي من أبناء كبار الملاك السابقين وبيروقراطية أجهزة الدولة وبعض فئات وأفراد الأجهزة الأمنية السابقة والحالية ، وتكمن شراسة الهجمة الجديدة في اعتمادها على جملة جديدة من الأساليب الملتوية ذات الصبغة القانونية ، حيث يلجأ الورثة إلى عمليات تزوير وتزييف أوراق ملكية للأرض ، تمكنهم من الحصول على أحكام قانونية بالتمكين ، وأحكام بطرد الفلاحين عبر القوة الجبرية ، وتمكنهم من اصطحاب الشرطة للتنفيذ بالقوة .

وقد أدت هذه العمليات الجديدة إلى تفجير الصراع الدامي بين ورثة الملاك والشرطة من جهة والأسر الفلاحية من جهة أخرى ، فقد تفجر الصراع الدامي حول الأرض الزراعية في عدد من القرى كان من أبرزها عودة الصراعات الدامية في كمشيش بالمنوفية وفي سراندو بالبحيرة وفي دكرنس بالدقهلية .

وقد قامت أسر الفلاحين بالصمود عن طريق الاعتصام والمبيت في الحقول حماية لأراضيهم من الاعتداء ، لكن الشرطة تقوم بتجريدات متتالية ، وتقوم النيابة بعمليات استدعاء وتهديد للفلاحين ، وتشكلت عدة لجان وجبهات للتضامن مع فلاحي الإصلاح الزراعي ، وقامت هذه اللجان بتقديم الدعم القانوني للدفاع عن حقوق الفلاحين أمام المحاكم ، وقد حقق صمود الفلاحين وحركة التضامن اليساري والديموقراطي معهم عدة نجاحات عن طريق كشف عمليات التلاعب من ورثة كبار الملاك السابقين ، والحصول على بعض الأحكام لصالح الفلاحين ، لكن الهجمة الشرسة مستمرة في حماية التوجهات الطبقية للحكم وفي حماية أجهزتها الأمنية ، الأمر الذي يطرح على قوى التقدم والاشتراكية ضرورة البحث عن كل سبل الدعم المختلفة للتضامن مع الفلاحين وتنظيمهم ودعم قدرتهم على الصمود والمقاومة .

3- الإخوان من التحالف إلى الصدام :

على الوجه الآخر شهد المجتمع المصري تحولاً هاماً عبر عن نفسه في الانتخابات البرلمانية لعام 2005 ، وكانت العناصر الأساسية للمشهد هي ماتم التعبير عنه بتراجع القوى المدنية في خريطة النتائج التي اسفرت عنها الانتخابات ، وتوسع الوجود البرلماني لجماعة الإخوان التي فازت ب88 مقعداً في مجلس الشعب ، وقد عبرت هذه النتيجة عن خلل الساحة السياسية التي اتسمت الانتخابات فيها بغياب السياسة وبروز ظواهر السيطرة الانتخابية لكل من المال والبلطجة والعنف والدين . كما كشفت هذه الانتخابات عن وجود اتفاقات سرية وعلنية بين أحد أجنحة الحزب الوطني الحاكم والإخوان ، وبين بعض القيادات الحاكمة ومرشحي الإخوان في دوائرهم ، فضلاً عن المنافسة في الشعارات الدينية بين الإسلام هو الحل والقرآن هو الحل .

وخرج الإخوان من هذه الانتخابات مزهوون بالنصر ، الأمر الذي دفعهم لارتكاب الأخطاء هنا وهناك ، وكان نصيب المرشد العام للجماعة ونائبه نصيب الأسد في ارتكاب أخطاء التصريحات الصحفية حول الوطنية وحول الأقباط ، ولم تستطع الجماعة تغطية حقيقة تفكير قادتها خلف إقرارها بشعار الدولة المدنية ، فقد ظلت التصريحات والتصرفات تؤكد على طبعة جديدة من الدولة الدينية التي تتحكم فيها رأسين ، رأس مدني للرئاسة ورأس ديني له المرجعية العليا للمرشد العام .

وظهر الإخوان في مجلس الشعب وفي المجتمع باعتبارهم المسئولون المكلفون بحماية الدين ، فركزوا من داخل المجلس ومن خارجه على استحضار الدولة الدينية في كل شيء ، واندفعوا باتجاه وقف عرض الأفلام وباتجاه الدعوة إلى مصادرة بعض الكتب بحجة أنها تسيء للدين ، وكرس هذا الوضع انشقاقاً ثقافيا حاداً بين النخبة وبين المواطنين ، وظهر وكأن المجتمع مقدم على التناحر بين ثقافتين : ثقافة دينية وثقافة مدنية ، بل ثقافة دينية تنتمي للتدين الشعبي البسيط المتسامح وثقافة دينية متشددة تهتم بالشكل على حساب الجوهر .

وفي ظل هذا الوضع جاءت مشكلة تصريحات وزير الثقافة حول الحجاب لتسفر عن عملية تجييش سريع للمجتمع لا لتكفير وزير الثقافة فقط ؛ بل لمنع أي فرد من الإدلاء برأيه ، أو بتفسيره وتأويله لآيات الحجاب ، وظهرت تصريحات هستيرية من نوع أن الإدلاء بالرأي مرفوض ، وتم استدعاء المؤسسة الدينية لا لتدلي برأيها ؛ بل لتخرس الألسنة وتقول الرأي القاطع والنهائي .

وأسفرت معركة وزير الثقافة عن هيمنة الثقافة الدينية السائدة على أفراد الحزب الحاكم ، الأمر الذي دفعهم لمنافسة نواب الإخوان في سبيل الحصول على مكاسب رخيصة . كما اسفرت عن التمسك بالتشريع الدينى بديلا عن التشريع المدنى ، وتقدم ظواهر الفتوى عن تطبيق القانون ، وكل هذه الظواهر مقدمات وملامح للصراع الفعلي بين الدولة المدنية والدولة الدينية .

وفي ظل هذا المناخ ظهر العرض العسكري لطلاب الأزهر ، وكان هذا العرض موازياً لهذا المناخ الثقافي الذي ظهر في معركة الحجاب ، وموازياً لحديث الإخوان حول اتحاد الطلاب الموازي واتحاد العمال الموازي ، الأمر الذي اظهر الإخوان وكأنهم ينتقلون من موقف إلى موقف باتجاه مخطط مرسوم لحسم معركة الصراع مع السلطة الحاكمة .

ووجدتها السلطة لحظة ملائمة للصدام دفاعاً عن هيبتها ورفضاً لما ظهر به الإخوان كمستعرضين للقوة ، فدخلت السلطة في صدام مع طلاب الإخوان وجهازهم المالي ورموزهم الاقتصادية ، ووصل الصدام إلى مدى واسع بتقديم قيادات الإخوان الاقتصادية والمالية إلى المحكمة العسكرية .

ونحن في كل الأحوال نرفض وندين تقديم المدنيين إلى محاكم عسكرية مهما كانت اتجاهاتهم السياسية ، فمن حق كل مواطن أن يمثل أمام قاضيه الطبيعي .

ونحن فى ذات الوقت لا نخفي رفضنا للدولة الدينية في أي صورة من الصور ، ذلك أننا مع ضرورة النضال من أجل إقامة الدولة المدنية التعددية الديموقراطية المعتمدة على دستور ديموقراطي مدني ، وتشرع القوانين فيها على أساس التشريع المدني وفقاً لمبدأ السيادة للشعب . كما اننا لسنا ضد قيام أحزاب مدنية تقوم على اساس مبادى المواطنة واعتبار ان الدستور وسيادة الشعب هو الأساس الوحيد لكل الأحزاب السياسية مهما كانت خلفيتها ومرجعيتها الفكرية .

4- النهوض العمالي :

في المقابل لم يكن رد فعل الكادحين سلبياً ، فقد شهد عام 2006/2007 بداية جديدة لظهور حركة احتجاج عمالية اتسمت بالوعي بأهمية العمل التضامني الجماعي للعمال ، وتميز هذا النهوض الجديد لعمال غزل المحلة وعمال اسمنت طرة وغزل شبين الكوم والغزل الرفيع بكفر الدوار وصباغي البيضا والدلتا للغزل والنسيج بزفتى وطنطا والدواجن بالصف بالجيزة والنسيج بميت غمر وغيرها بأنه جاء بعد فترة وجيزة من معركة انتخابات النقابات العمالية التي شهدت الكثير من الانتهاكات الأمنية ، وبذل فيها العمال من تيارات اليسار الاشتراكي جهوداً ملموسة في ظل أوضاع صعبة من انهيار التنظيم النقابي وتخليه عن مهمته في الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة المصرية ، وفي ظل موجات متتالية من انقضاض الحكم على حقوق العمال في ظل مخطط الخصخصة وتصفية وبيع شركات القطاع العام الصناعية والتجارية الكبرى ، وخصخصة الخدمات ، وفي ظل ارتفاع فلكي في الأسعار وضعف الأجور الحقيقية بمتواليات هندسية .

واتسمت هذه الموجة الجديدة من الحركة الاحتجاجية العمالية أنها حركة عفوية اقتصادية نجحت في تحقيق أهدافها عن طريق الاستمرار في الإضراب ، واتسمت بأن قيادتها في معظمها من قيادات شابة ، ليس لها انتماءات سياسية أو حزبية واضحة ، وإن كانت قد تأثرت بالتراث النضالي لليسار في صفوف الطبقة العاملة ، ولم تخضع هذه الحركة للضغوط الحكومية أو للوعود الكاذبة أو التلاعبات التي حاول قادة الاتحاد العام للعمال ممارستها ، والتلاعبات التي حاولها رئيس الشركة القابضة للصناعات النسجية ووزير الاستثمار .

كما اتسمت هذه الإضرابات كلها إلا إضراب أسمنت طرة – لمشاركة اللجنة النقابية في الإضراب – بالمطالبة بسحب الثقة من اللجان النقابية التي لم تقف مع المضربين ، وهو مطلب نقابي يعبر عن وعي جديد ينبغي البناء عليه باتجاه استقلال الحركة النقابية المعبرة عن المطالب والطموحات والأهداف العمالية .

إن هذا النهوض العمالي الجديد باعتباره نهوضاً يتسم بالاتساع وبالنجاح في تحقيق الأهداف قد أعاد الثقة للطبقة العاملة المصرية ، التي عانت في العقود الأخيرة من التمزق تحت تأثير برامج الخصخصة والمعاش المبكر ، كما ان هذا النهوض قام بفضح سياسات الخصخصة وبيع القطاع العام ، واعاد الثقة لبرامج اليسار ومواقفهم المناهضة لسياسات التثبيت والتكيف الهيكلي والرافضة للخصخصة وبيع القطاع العام ، ولذلك فهو يضع واجباً ملحاً على اليسار الاشتراكي والشيوعيين بضرورة تمتين أواصر الثقة والارتباط مع الطبقة العاملة المصرية وقيادتها الجديدة ، وقد صدرت البيانات والكتابات من جديد تهتف بكفاح ونضال الطبقة العاملة وقدرتها على المشاركة في معارك التغيير .

5- التعديلات الدستورية :

وسياسياً مازال نظام الحكم يدير اسطوانته المشروخة حول أزهى عصور الديموقراطية ، وحول نيته المستمرة لإعطاء دفعة جديدة لما يسميه بالإصلاح السياسي والدستوري ، وجاءت الطبعة الأخيرة من محاولاته لتزويق واقع الاستبداد والدكتاتورية التي تمثلت فيما قدمه مبارك وحزبه الوطني الحاكم من تعديلات دستورية جديدة .

ومثلت هذه التعديلات الدستورية الجديدة التي بلغ عددها 34 مادة دفعة واحدة نموذجاً جديداً لسعي الحكم الدائم نحو المزيد من الاستبداد عن طريق التلاعب بالدستور وتضييق هامش الديموقراطية الضيق في الأصل .

وذلك عن طريق التوسع في تطويع مواد الدستور لزيادة القيود المفروضة على النشاط والممارسة السياسية ، والإبقاء على النصوص التي تؤكد الجوهر الرئاسي الاستبدادي الفردي لنظام الحكم .

فلم تتعرض التعديلات المطروحة للمادة (77) التي تطلق مدد تقلد الرئيس للمسئولية الرئاسية إلى مالا نهاية ، ورأينا كما أعلنا في أوراق سابقة ألا تزيد عن مدتين متتاليتين كل مدة خمس سنوات .

بينما قام الحكم بتعديل المادة (88) للتراجع عن مبدا الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات تمهيدا للتزوير ، ونحن نؤكد على ضرورة أن تزداد الرقابة على العملية الانتخابية من خلال الإبقاء على الإشراف القضائي ، مع التأكيد على استقلال السلطة القضائية ، والتأكيد على التوسع في الرقابة عن طريق المجتمع المدني .

ونسف تعديل المادة 179 الحقوق والحريات الواردة في المواد 41 و44 و45 في شأن الحرية الشخصية والقبض والتفتيش والحبس ، وجاء ذلك النسف عن طريق وضع مادة جديدة بديلاً للمادة 179 الخاصة بالمدعي العام الاشتراكي بهدف حماية الدولة من الإرهاب ووضع النصوص التي تجعل من حالة الطوارئ حالة دائمة من خلال قانون الإرهاب ، مع أن المواد الواردة في قوانين الإجراءات الجنائية كافية لمواجهة ظواهر العنف الإرهابي المسلح دون توسع غير مبرر في مفاهيم الإرهاب وإجراءات مواجهته ، خاصة وأن المواجهة الشاملة للإرهاب لا يمكن أن تكون بالمواجهة الأمنية وحدها ؛ بل بمواجهة الجذور الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية لبروز ظواهر العنف والإرهاب كظواهر مجتمعية .

أما المادة 136 التي كانت تقيد حق رئيس الجمهورية في حل مجلس الشعب إلا بعد استفتاء الشعب على قرار الحل ؛ فإن التعديل الجديد أزال هذا العائق ، أي تنص المادة المعدلة على حق الرئيس في حل مجلس الشعب دون الرجوع إلى الشعب عن طريق الاستفتاء .

ولم يستهدف التعديل الثاني للمادة 76 في أقل من عام تغييراً جوهرياً ، فالتعديل الجديد ليس أكثر من استجداء مرشحين حزبيين مضمونين في مسرحية انتخابات الرئاسة 2011 ، وذلك عن طريق مد الفترة الاستثنائية للأحزاب لحق الترشيح لمدة 10 سنوات ثم العودة للقيود ، ولا تحتمل هذه المادة أكثر من النص على أن انتخاب رئيس الجمهورية يكون بالاقتراع السري المباشر من بين أكثر من مرشح وفقاً للقانون .

ولم تتعرض التعديلات من قريب أو بعيد للمادة الثانية من الدستور التي وضعت الأساس للخلط بين الدين والسياسة ، والتي تم التشديد عليها عام 1980 بالألف واللام في إطار المغازلة مع تيارات التشدد والتكفير الديني بهدف تمرير تعديل المادة 77 لتكون مدة الرئاسة فيها مؤبدة ، وتحتاج هذه المادة لتعديل جوهري حتى يتأكد مبدأ المواطنة والدولة المدنية وحتى لا تكون مبرراً لقيام الأحزاب الدينية والدولة الدينية ، إن احترامنا للدين لا يمنعنا من رفض منطق التلاعب به واستغلاله في العمل السياسي بالنسبة للحكام أو لبعض فرق المعارضة ، ولنعد بصورة حقيقية إلى شعار الدين لله والوطن للجميع .

أما التعديلات التي قامت بإزالة أي نص عن التوجه الاشتراكي للدولة ، فمن المؤكد أن النظام الاقتصادي والاجتماعي القائم في مصر لا علاقة له بالاشتراكية نظاماً أو توجهاً أو سلوكاً ، ومن المعروف أن الحكم القائم قد قام ، عن طريق الانفتاح والخصخصة وقانون العمل الموحد والقوانين الخاصة بالاستثمار أو الإيجارات والتعليم والصحة والإسكان وغيرها في مجالات عدة ، بالاعتداء والانقلاب على كل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي اتسمت بأبعاد اجتماعية ، أو التي تم نسبتها للاشتراكية أو توجهاتها ، أو التي ارتبطت بمبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة ، ولكن الحكم لم يستطع أن يخفي توجهه الطبقي المنحاز لمصالح حفنه من الراسمالين الكبار من خلال تعديلاته الجديدة للدستور بإصراره على التأكيد على توجهه السالب لكافة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي اكتسبتها الفئات والطبقات الشعبية بنضالها وعرقها في فترات سابقة.

إن موقفنا من التعديلات الدستورية تنطلق من اقتناعنا بحاجتنا إلى دستور جديد ، يؤسس لمجتمع جديد يقوم على العدل والحرية والمساواة ويؤكد على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفئات والطبقات الكادحة والمنتجة ، ويؤسس لنظام سياسي ديموقراطي برلماني بديلاً للنظام الرئاسي الفردي القائم ، وهذا لن يتحقق إلا في ظل وجود سلطة وطنية وديموقراطية وفي ظل موازين قوى مختلف جذرياً عن الوضع الحالي .

ويحتاج هذا الدستور الجديد إلى فترة انتقالية تمثل احتياجا حقيقياً للمجتمع المصري ، فترة للتفاعل الفكري والسياسي والثقافي الديموقراطي الحر ، فترة لاستعادة روح المبادرة والثقة في النفس ، فترة بلا طوارئ ، بلا قيود على إنشاء الأحزاب السياسية ، بلا أحزاب مجمدة أو مستبعدة ، بلا نقابات محاصرة أو مفروض عليها الحراسة ، بلا انتخابات مزورة ، بلا تخوين أو تكفير ، فترة انتقالية لممارسة الحرية وطرح الأفكار والبرامج ، فترة انتقالية لتصحيح جداول الناخبين والقضاء على فساد الجمعية العمومية للناخبين ، والنقاش العام المفتوح حول الأسس والقيم والتوجهات العامة التي تحكم العلاقات بين مجتمع المصريين التعددي ، ومناقشة الأسس العامة التي يمكن أن تحكم تشكيل الجمعية التأسيسية المنوط بها إعداد الدستور الجديد ، ومناقشة آليات تعديل الدستور، وآليات حمايته من العدوان أو التلاعب ، والتفاهم حول مستقبل ديموقراطية الدولة والمجتمع وغير ذلك من القضايا والإشكاليات الفكرية والسياسية والثقافية .

لذلك فإننا رفضنا هذه التعديلات الدستورية المطروحة لأنها لم تلب الحد الأدنى من احتياجات التطور الديموقراطي ، بل هي قد مثلت انقلابا دستورياً على الهامش الديموقراطي الضيق ، وتكريساً للاستبداد والديكتاتورية والتزوير ، ولذلك – أيضاً – دعونا المواطنين لمقاطعة مهزلة الاستفتاء على هذة التعديلات لان النظام رفض ان يعتبر الدستور عقدا بين الحكام والمحكومين واصر على ان يجعله عقد إذعان تفرضة السلطة والحزب الحاكم على المواطنين .

6- التعديلات والحركة السياسية :

وقد أسفرت معركة التعديلات الدستورية عن عملية استنفار جديدة للأحزاب والقوي السياسية وحركات الاحتجاج في مصر ، فقد أحيت هذه التعديلات الجدل السياسي حول المستقبل الديموقراطي للبلاد ، وحول حقيقة الدعاوى التي يطلقها النظام الحاكم في مصر حول الإصلاح السياسي والدستوري .

وعلى الرغم من إصرار النظام الحاكم على منع محاولات النخبة السياسية في التعبير عن مواقفها السياسية عبر أسلوب التظاهر والوقفات الاحتجاجية ، فقد أحيت التعديلات الدستورية طموحات العودة للاحتجاج والتظاهر ، وطموحات التعبير عن الرأي عبر اللقاءات والندوات والملتقيات والموائد المستديرة ، ولذلك شهدت البلاد خلال شهور ديسمبر ويناير وفبراير سلسلة من اللقاءات والندوات والمؤتمرات والوقفات الاحتجاجية ومحاولات التظاهر من مجمل أطياف المعارضة .

وعاد القضاة للمشاركة في الجدل السياسي حول التعديلات الدستورية ، وحول تصرفات وزير العدل الجديد ، وحاولت حركة كفاية تخطي انقساماتها الداخلية عن طريق الدعوة للتظاهر والاحتجاج ضد التعديلات الدستورية ، وساهم الطلاب بدورهم في الحركة حول الدستور عن طريق تظاهر مئات الطلاب رفضاً للتعديلات الدستورية داخل أسوار جامعات القاهرة والمنوفية والإسكندرية وغيرها .

وبينما حاول حزب الوفد في البداية البحث عن إيجابيات التعديلات في مواد المواطنة ومنع الخلط بين الدين والسياسة ورفض قيام الأحزاب على أساس ديني كمدخل للموافقة ؛ سرعان ما اكتشف طغيان الهدف الاستبدادي للتعديلات وخاصة في تعديل المادتين 88 و 179 وأعلن معارضته ورفضه للتعديلات الدستورية ليصبح هو وحزب التجمع والكرامة تحت التأسيس وكتلة الإخوان والمستقلين بمجلس الشعب ممثلين لكتلة من 108 عضوا برلمانياً رافضين للتعديلات الدستورية في مواجهة الحزب الوطني الحاكم وحده .

وامتد الجدل حول التعديلات الدستورية في كل أوساط النخبة السياسية والثقافية ، فعقدت عشرات الندوات الرافضة لهذه التعديلات ، ووقع ما يقرب من 200 كاتب ومفكر وأديب وصحفي على بيان يطالب بضرورة تعديل المادة الثانية من الدستور ، وحظيت قضية المواطنة وأوضاع التمييز الديني ومسألة عمل الحزب على أساس ديني وقضية الدولة الدينية والدولة المدنية بجدل فكري وسياسي غير مسبوق على صفحات الصحف وفي المنتديات وعلى شاشات التليفزيون .

وأسفرت معركة التعديلات الدستورية عن انقسام سياسي حاد في البلاد حيث تجمعت كافة ألوان طيف المعارض المصرية الحزبية والسياسية والثقافية في جانب رفض التعديلات جملة وتفصيلاً ، وبقي نظام حكم مبارك وحزبه الوطني الديموقراطي وحده في جانب الموافقة على التعديلات التي قدمها ولم يتنازل عن حرف واحد منها ، وأسفر هذا التمايز بين الحكم والمعارضة عن موقف واحد مشترك للمعارضة المصرية من الاستفتاء على التعديلات الدستورية هو موقف المقاطعة .

وقد اشترك في موقف الرفض للتعديلات والمقاطعة للاستفتاء تيارات وقوى المعارضة اليسارية والليبرالية والإسلامية ، فقد تبنى حزبنا منذ البداية موقف رفض التعديلات ثم موقف مقاطعة الاستفتاء وكذلك فعل التحالف الاشتراكي الذي يساهم فيه حزبنا مع الأحزاب والقوى الاشتراكية في مصر ، ومن المهم أن نتفاعل مع ما أسفرت عنه معركة التعديلات الدستورية من أوضاع سياسية جديدة ، وما فجرته من قضايا فكرية سياسية ودستورية ، وذلك في سياق موقنا الداعي إلى احتياج بلادنا إلى دستور جديد وإلى فترة انتقالية تعيد التوازن الاجتماعي والفكري والسياسي والثقافي ، فترة انتقالية تساهم في جعل الطبقة العاملة والطبقات الشعبية والمنتجة طرفاً فاعلاً في الصراع السياسي والاجتماعي في مصر .

7- التحالف الاشتراكي :

وقد ساهم حزبنا في النضال الفكري والسياسي مع الحركة السياسية الناهضة في بلادنا في السنوات الأخيرة ، ولم تستنكف القيادة الحزبية عن المشاركة في أي تحرك احتجاجي أو جماهيري ، وتواجدنا في أهم الأشكال السياسية الجبهوية التي نشأت لتنظيم الحركة السياسية .

وقد نجحنا مع القوى السياسية الاشتراكية والتقدمية في إقامة التحالف الاشتراكي الذي يضم سبعة أحزاب وقوى سياسية اشتراكية وعدد من القيادات اليسارية الذين يتزايدون كل يوم ، ويمثل هذا التحالف نقلة وأداة نوعية لو أحسنت الفرق اليسارية الاشتراكية استخدامها ، ولو أحسنت إدارتها والحفاظ عليها وحمايتها من التبدد .

ولازال هذا الصرح التنظيمي مولوداً جديداً في بدايته ، ولذلك فهو يحتاج من المؤمنين بضرورته بذل الكثير من الجهد لدعم وجوده وتمتين بنيانه وتأكيد وجوده ومواجهة التحديات التي تواجهه ، وبصفة خاصة العمل باتجاه بقائه كائناً حياً ، عن طريق دعم لجانه وهيئاته الجماهيرية ، العمالية والفلاحية والجامعية والمهنية .

إننا ننظر إلى التحالف الاشتراكي باعتباره قلب العمل الجبهوي الوطني والديموقراطي ، ولذلك فإن حماية وجوده من العواصف والأنواء واجب سياسي ، واجب نضالي ، وواجب حزبي .

المهام والواجبات الملحة :

انطلاقاً من رؤيتنا التي تعرضنا لها في هذا التقرير تتحدد أهم أولويات نضالنا الوطني في المهام والواجبات الملحة التالية :

1) التنسيق والعمل المشترك مع أوسع القوى الوطنية والشعـبية والنقابية من أجل التغـيير الديموقراطي السياسي والدستوري كأولوية نضالية على طريق التغـيير الشامل ، وتتطلب هذه الأولوية النضالية التركيز على ما يلي :

• دعم التحركات الاحتجاجية الجديدة ، وبصفة خاصة احتجاجات الطبقة العاملة وإضرابتها ، التي اكدت عودة الثقة إلى صفوف العمال ، وأكدت مخاطر الخصخصة وبيع شركات القطاع العام .

• دعم صمود الفلاحين المصريين وبصفة خاصة فلاحي الإصلاح الزراعي أمام هجمات التحالف الرجعي الجديد بين ورثة كبار ملاك الأرض السابقين والأجهزة البيروقراطية والأمنية ، وتشكيل اللجان الفلاحية والقانونية للتضامن معهم في كافة المجالات .

• النضال من أجل إلغاء حالة الطوارئ وكافة القوانين والإجراءات الاستثنائية والمقيدة للحريات وفضح عملية تأبيد الطوارئ ودسترتها من خلال المادة 179 الخاصة بمكافحة الإرهاب .

• رفض التعديلات الدستورية التي طرحها النظام الحاكم ، ورفض تلاعبه بالدستور وفضح الأهداف الحقيقية لتلك التعديلات وكشف مغزاها الرجعي والاستبدادي ، والنضال مع كل القوى الديموقراطية ضدها وفضح عملية التوريث التي تمهد لها هذه التعديلات ، والنضال مع كافة القوى الديموقراطية تحت شعار نحو دستور جديد يؤسس لنظام حكم ديموقراطي جديد ، برلماني تعددي ، ويؤسس لدولة مدنية علمانية جديدة بعد فترة انتقالية يتم فيها انتزاع الحريات والحقوق الديموقراطية .

• المساهمة مع كل القوى الاشتراكية في تطوير وتفعيل نشاط التحالف الاشتراكي والعمل سوياً من أجل تجواز السلبيات ومواجهة التحديات التي تقف أمام هذا التحالف الجديد .

• التمسك بالإشراف الكامل للقضاة عـلى الانتخابات العـامة ، وفضح قيام الحكم بإلغاء هذا الإشراف بتعديل المادة 88 من الدستور ، وتشكيل هيئة قضائية مستقلة للانتخابات تكون غـير قابلة للعـزل وذات صلاحيات دستورية واسعة ، بداية من الإشراف على جداول الناخبين وانتهاء بالفرز وإعلان النتائج ، ووضع القواعد والإجراءات المانعـة للتزوير ، مع تغـليظ عـقوبة تزوير الانتخابات وعدم سقوطها بالتقادم .

• النضال من اجل حرية تشكيل النقابات العمالية واستقلال الحركة النقابية العمالية والمهنية ، مع ضرورة تأكيد الشخصية الاعـتبارية للجان النقابية المصنعـية .

• رفع القيود الإدارية والقانونية التي تمنع تشكيل الجمعـيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني .

• تأكيد حق كل القوى في تكوين أحزابها السياسية ، مع التأكيد على رفض قيام الأحزاب الدينية والتنظيمات العسكرية والميليشيات المسلحة ، وتأكيد حق تشكيل الجمعـيات الثقافية والعـلمية ، وحق إبداء الرأي بالقول والنشر وإصدار الصحف وأدوات الإعـلام المختلفة .

2) النضال من اجل تغـيير أوضاع الأزمة الاقتصادية والاجتماعـية وما أنتجته من بطالة وفساد وارتفاع أسعار وضعف في الأجور ، مع ضرورة التركيز على الأولويات التالية :

• النضال من اجل وقف سياسات الخصخصة ووقف بيع ما تبقى من شركات القطاع العـام ، والتصدي لمخططات بيع البنوك الرئيسية وشركات التأمين.

• النضال من أجل تغـيير سياسات التنمية التابعة بما أنتجته من كوارث ، والدعوة إلى سياسات تنمية جديدة متمحورة عـلى الذات ومعـتمدة أساساً على الذات وتستهدف تلبية الحاجات الأساسية للمواطنين ، مع ضرورة ربط الأجور بالأسعار لمواجهة موجات الغلاء الحادة الناجمة عن تطبيق سياسات التبعية والإفقار والأزمة .

• التصدي لمخاطر إهدار الحكومة لأموال التأمينات الاجتماعية والمعاشات ، واتخاذ الإجراءات القانونية للحفاظ على هذه الأموال ،والقيام بحمله واسعة ضد مشروعات القوانين المطروحة فى الفترة القادمة فى البرلمان حول التأمينات الاجتماعية والتامين الصحى.

• التأكيد على مسئولية الحكومة في حل مشكلة البطالة وتوفير فرص العمل، وتكوين روابط للعاطلين ، والمطالبة بنظام جديد لإعانة الدولة للعاطلين حتى يلتحقوا بالعمل .

• الحفاظ على ما تبقى من مجانية التعليم ، مع ضرورة تطوير التعليم في جوانبه وعناصره المختلفة ليلاحق مجتمع المعرفة والتطورات المتسارعـة التي أنتجتها ثورات العلم والتكنولوجيا .

• تطوير الخدمات الصحية والعلاجية وبصفة خاصة تطوير نظام التأمين الصحي ، ورفض مخططات خصخصته ، وتوسيع شبكته لتشمل كافة المواطنين في الريف والمدينة .

3) استمرار التصدي للهجمة الإمبريالية- الصهيونية واستراتيجيتها الهادفة للسيطرة على المنطقة ، وفي القلب منها استراتيجية المحافظين الجدد التي تقودها السلطة الأمريكية بزعامة بوش ، مع ضرورة التركيز على المهام الملحة التالية :

• • تقديم كل أشكال الدعم والتضامن الأممي للقوى الاشتراكية والتحالفات الشعبية المنتصرة في أمريكا اللاتينية ، ذلك أن انتصاراتها هي انتصارات لنا ، ودراسة هذه الخبرة الجديدة والعمل من أجل التمكن من الاستفادة منها في نضالنا السياسي وفي حركتنا الجماهيرية وتحالفاتنا الشعبية والوطنية وعلى مستوى القوى السياسية العربية .

• • ضرورة التنسيق مع كل القوى اليسارية والتقدمية العربية لمواجهة المخطط الإمبريالي للولايات المتحدة والمخططات العدوانية لحلف شمال الأطلسي ، والنضال ضد الأنظمة الاستبدادية والقمعية باعتبارها المسئول الرئيسي عن حالة التردي القائمة في كل المجالات ، الأمر الذي ترك البلاد مطمعاً للقوى الاستعمارية ، وأكد عجز هذه الأنظمة عن حماية الاستقلال الوطني .

• • رفض ومقاومة إقامة الحلف الرجعى الجديد الذى تسعى الولايات المتحدة الى اقامته بين كل من حكومات السعودية ودول الخليج ومصر والأردن التي تطلق عليها أمريكا الدول (المعتدلة) ، ورفض ما يدعو إلية من مساندة للمخططات الأمريكية والصهيونية للسيطرة على منطقتنا العربية ، وما يقوم به من مساندة لخطة بوش في العراق والتحضير للعدوان على إيران .

• • التنسيق مع القوى الوطنية والأحزاب السياسية العربية والعراقية من أجل مواجهة استمرار الاحتلال الأنجلو أمريكي للعراق بكافة الطرق والوسائل ، بما في ذلك الكفاح المسلح ضد قوات الاحتلال ، والحفاظ على وحدة التراب العـراقي، مع التأكيد على رفض انحراف المقاومة العراقية باتجاه العمليات الإرهابية والطائفية التي تهدد بتمزيق العراق إلى ثلاث دويلات طائفية متصارعة .

• التنسيق بين القوى الوطنية العربية لمواجهة مخاطر اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية من جديد ، ودعم صمود المقاومة اللبنانية في مواجهة العدوان الصهيوني المتكرر على الشعب اللبناني .

• دعم صمود الشعب الفلسطيني ضد الإرهاب الصهيوني المتصاعد ، وضد محاولات التحالف الإمبريالي الصهيوني لتصفية القضية الفلسطينية ،وإحياء اللجان الشعبية لدعم الشعب الفلسطيني ، والتأكيد على الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وعلى رأسها حقه في النضال من اجل تحرير أرضه وإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة على حدود 4يونيو 1967 وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين .

• رفض الدعوات الطائفية التي تطل برأسها لتصوير أوضاع الصراع والاقتتال في أكثر من مكان في منطقتنا العربية

• التعاون والتنسيق مع الأحزاب الوطنية والقوى الديموقراطية السودانية لمواجهة التهديدات الإمبريالية بالتدخل في السودان ، ومواجهة مخططات إفشال اتفاق بناء وحدة السودان مع التأكيد على ضرورة المعالجة الشعبية والديموقراطية لاحتمالات عودة الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب إلى الانفجار ، وضرورة معالجة الأوضاع المتردية في إقليم دارفور على طريق بناء سودان ديموقراطي موحد ، ينعم فيه كل أبناء الشعب السوداني بالديموقراطية والعدالة والمساواة ، بغض النظر عن الاختلاف في الأصول العرقية أو التوجهات الفكرية أو المعتقدات الدينية .

• التأكيد على أن ما تقدم من أولويات نضالية في التصدي للهجمة الإمبريالية الصهيونية في كل من العراق وفلسطين ورفضنا للتهديدات الأمريكية والبريطانية والفرنسية بالتدخل في سوريا والسودان ولبنان وإيران ، لا تنطلق فقط عن إيمان بالتضامن الأممي أو القومي كشيوعيين ؛ بل أيضاً كمصريين يرون أن مصر في خطر ، وان هذه الهجمات الإمبريالية والتهديدات الاستعمارية بالتدخل ليست موجهة فقط ضد هذا القطر أو ذاك ؛ بل موجهة لكامل منطقتنا العربية وفي القلب منها مصر.

مارس 2007

——–

بيان عن انعقاد اللجنة المركزية للحزب الشيوعى المصرى

عقدت اللجنة المركزية للحزب الشيوعى المصرى دورة اجتماعاتها فى شهر مارس 2007 وقد استعرض الاجتماع التقارير المعروضة على جدول الأعمال وهى :

• مشروع تقرير سياسى

• تقرير تنظيمى عن الأوضاع الحزبية

• تقرير عن نشاط الحزب الجماهيرى والجبهوى

• تقرير عن الأوضاع المالية للحزب

وقد تعرض الأعضاء فى مناقشاتهم لمشروع التقرير السياسى الذى يتناول مجمل التطورات السياسية الدولية والإقليمية وكذا التطورات المتلاحقة على الساحة المصرية الداخلية من الناحية السياسية والاقتصادية 0 وقد أكد النقاش على المخاطر الجمة التى يواجهها العالم والمنطقة العربية من جراء الاستراتيجية العدوانية التى تشنها الإدارة الأمريكية والتى يلعب فيها المحافظون الجدد الدور الموجه والصانع الرئيسى لهذه السياسات ، التى وبالرغم من ازدياد عدوانيتها فى عديد من مناطق العالم وبالأخص محيطنا العربى 0 إلا أن هذه المخططات الأمريكية تتعرض للانتكاسات نتيجة المقاومة المتصاعدة لها ، وعجزت الإدارة الأمريكية بقيادة بوش على أن تقدم احتلالها للعراق كنموذج مقنع لما أعلنته من استراتيجية للحرب ضد الإرهاب أو لنشر قيم وثقافة الديمقراطية 0

وعلى العكس مما خططت له فقد أدت الاستراتيجية الأمريكية إلى تقوية خصوم أمريكا ، فقد كسبت الدول والتيارات التى حاربت أمريكا للقضاء عليها ، فقد فتحت هذه الفوضى ساحة جديدة لتوسع تيارات العنف والإرهاب وغزت هذه الفوضى التيارات والعلاقات الطائفية والدينية والقومية المتطرفة 0

والمح التقرير إلى تزايد الاتجاهات الرافضة لتلك السياسات الأمريكية فى داخل الولايات المتحدة ذاتها واتساع أعداد الرافضين البقاء فى العراق أو إرسال جنود إضافيين للعراق حسب خطة بوش الجديدة 0 واستعرض التقرير كذلك الصعود لقوى اليسار فى أمريكا اللاتينية كاتجاه سياسى رافض للبرنامج السياسى والاقتصادى لليبرالية الجديدة والتى تسببت فى إفقار الطبقات الشعبية 0

وقد اتفق الحاضرون على أن الشىء الجديد فى الوضع الدولى هو تنامى الضربات التى وجهت لمخطط المحافظون الجدد ، وعدم قدرة هذا المخطط اليمينى الأمريكى على تحقيق مجمل أهدافه المعلنة 0

وعلى صعيد الأوضاع فى المنطقة العربية أكدت اللجنة المركزية على أن نظم الحكم العربية لازالت غارقة فى تبعيتها للمخططات الأمريكية ، ومازالت تروج لتوجهاتها السياسية والاقتصادية بالرغم من فشل هذه المخططات فى أنحاء عديدة من العالم 0 وفى ظل هذه النظم تعيش معظم بلادنا العربية أوضاع التخلف والإفقار والاحتلال والاقتتال الداخلى 0 وما جرى فى لبنان بعد صمود وانتصار تيار المقاومة على العدوان الإسرائيلى المدعوم أمريكيا خير حالة تجسد هذا الاقتتال الداخلى سواء بأبعاده السياسية وأحيانا بالاغتيالات والأعمال التخريبية بقصد إحداث حالة من الفوضى

وفى الأراضى الفلسطينية وبعد أن كان الدم الفلسطينى من المحرمات أو خط احمر لا يجوز تجاوزه حث الاقتتال الفلسطينى من جراء وضع ازدواجية السلطة والشعب الفلسطينى خاصة الفقراء والعمال منهم هم الذين يدفعون الثمن فعلا 0

ووضعية السودان والذى اصبح مهددا فعليا نتيجة ممارسات سلطوية استبدادية واقتتال قبلى فى دارفور فتح الباب لتدخلات خارجية ومحاكمات دولية وعقوبات اقتصادية وسياسية

وعلى صعيد الأوضاع الداخلية أوضح النقاش إلى انه فى مصر ما زالت الأزمة الشاملة مستمرة فى تفاقمها نتيجة لسياسات الحكم الخاضع لأوضاع التبعية وان سلطة التحالف الطبقى الرأسمالى الحاكم فى مصر لا تقدم للشعب المصرى سوى سياسات الأزمة بإصرارها على تطبيق برنامج التثبت والتكييف الهيكلى والخصخصة واتجاه الحكومة المصرية لخصخصة الخدمات وخاصة خدمات التعليم والصحة والتامين الصحى ، لقد أدت كل هذه السياسات الاقتصادية إلى اتساع الفجوة ما بين الأغنياء والفقراء فنصيب أفقر 2% من السكان لا يزيد عن 8% من الدخل الإجمالى بينما نصيب 20% من السكان بلغ 45% من الدخل الإجمالى 0 وازداد عدد السكان الذين يقعون تحت خط الفقر ( وفق معايير الأمم المتحدة ) إلى 50% من السكان 0

إضافة إلى تفشى الفساد والذى ارتبط بتهديد أرواح ملايين السكان فمن حادث العبارة الشهيرة إلى احتراق القطارات إلى سموم المبيدات المسرطنة وفضائح أكياس الدم الملوثة بالإضافة إلى عجز الحكومة الواضح عن السيطرة على وباء مرض انفلونزا الطيور0

وقد أشار التقرير إلى حالة النهوض العمالى التى شهدتها مصر فى الفترة الأخيرة من سلسلة الإضرابات والاعتصامات فى اكثر من موقع عمالى 0 وكذلك حالات مقاومة فقراء الفقراء لمؤامرات الإقطاعيين الجدد لطردهم من الأرض والاستيلاء عليها 0

وعن موقفنا من التعديلات الدستورية أكد النقاش على ما جاء بالتقرير السياسى بأننا نرفض التعديلات الدستورية المطروحة لأنها لا تلبى الحد الأدنى من احتياجات التطور الديمقراطى بل تنقلب على الهامش الديمقراطى الضيق وتكرس للاستبداد والديكتاتورية والتزوير 0 واتفقت اللجنة المركزية على دعوة المواطنين لمقاطعة الاستفتاء 000 إن موقفنا هذا ينطلق من اقتناعنا بحاجتنا إلى دستور جديد يؤسس لمجتمع جديد يقوم على العدل والحرية والمساواة ويؤكد على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفئات والطبقات الكادحة والمنتجة ويؤسس لنظام سياسى ديمقراطى وهو الجمهورية البرلمانية كبديل عن النظام الفردى القائم

وبعد مناقشة التقرير السياسى والأوضاع السياسية عالميا وعربيا ومحليا أصدرت اللجنة المركزية القرارات والتوصيات التالية

أولا : – التنسيق والعمل المشترك مع أوسع القوى الوطنية والشعبية والنقابية ومنظمات المجتمع المدنى من اجل التغيير الديمقراطى السياسى والدستورى كمدخل للتغيير الشامل ، بما يتطلب دعم التحركات الاحتجاجية الجديدة وخصوصا احتجاجات الطبقة العاملة وإضراباتها ، ونضالات الفلاحين ضد مؤامرات طردهم من الأرض ، والنضال من اجل إلغاء حالة الطوارئ والقوانين والإجراءات الاستثنائية والمقيدة للحريات ، ورفض التعديلات الدستورية الأخيرة وكشف مغزاها الاستبدادى ودعوة المواطنين إلى مقاطعة مهزلة الاستفتاء على هذه التعديلات ، والنضال مع كل القوى الديمقراطية من اجل رفع شعار ( نحو دستور جديد لنظام حكم ديمقراطى ) ، والتمسك بالإشراف القضائى الكامل على الانتخابات العامة والدفاع عن مبدأ حرية تشكيل الأحزاب والنقابات العمالية واستقلاليتها ورفع القيود الإدارية والقانونية على حركة وتشكيل الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدنى 0

ثانيا : – النضال من اجل تغيير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الضارة بمصالح غالبية الشعب المصرى وما نتج عنها من بطالة وفساد وارتفاع الأسعار وضعف فى الأجور ومقاومة سياسات الخصخصة ومناهضة التفريط فى ثروات الشعب كبيع القطاع العام والبنوك الرئيسية وشركات التأمين وإهدار أموال التأمينات الاجتماعية والمعاشات والدفاع عما تبقى من مجانية التعليم وتطويره والإصرار على الحفاظ على قطاع التأمين الصحى وتطويره والتصدى لكل القوانين المشبوهة التى تريد خصخصة التعليم والعلاج وكل الخدمات 0

ثالثا : – التنسيق مع القوى اليسارية والتقدمية العربية لمواجهة مخططات الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الأطلنطى العدوانية ضد الشعوب العربية وخصوصا فى العراق ولبنان وفلسطين والسودان ودعم المقاومة فيها ، ورفض النعرات الطائفية وصبغ الصراعات فى المنطقة العربية بصبغتها

وقد جرى نقاش معمق لتقريرى ” الأوضاع التنظيمية ” و ” النشاط الجماهيرى والجبهوى ” وقد تطرق النقاش لعديد من المواقف الاقتصادية انطلاقا من الحرص على دور الحزب فى الساحة السياسية والمجتمع 0 فنحن نواجه جملة من التحديات الكبرى 0 تحديات الواقع والتى علينا أن نواجهها لفهمها سعيا منا لتغييرها ، ونواجه تحديات الثنائية المصطنعة ونقصد هنا ثنائية النظام الحاكم بطبيعته الطبقية وقطبه الآخر المتمثل فى الإسلام السياسى بتياراته المختلفة ، ونواحه تحديات التهميش المتعمد لليسار عامة والشيوعيين خاصة ومحاولة إقصائهم عن المعادلة السياسية ليتحول الصراع ويتخفى فى بعده الدينى او المذهبى بعيدا عن مجراه الحقيقى كصراع اجتماعى اقتصادى جوهره فى الأساس صراع طبقى – إزاء كل ذلك – أكد النقاش انه لابد من توفر الإرادة السياسية لإحداث حالة نهوض حزبى تشمل كافة جوانب الحياة العملية الحزبية 0

وفى أعقاب مناقشة التقريرين أصدرت اللجنة القرارات التالية : –

1. متابعة التحركات العمالية والفلاحية التى تتفجر فى المواقع المختلفة ، وضرورة إبرازها إعلاميا والتواجد معها سياسيا وتنظيميا 0

2. دعم التحالف الاشتراكى وزيادة دورنا فيه ، وجذب اكبر عدد من القوى اليسارية للانضمام إليه ، والدعوة لإحياء الجبهة الوطنية الديمقراطية

3. تطوير نشاطنا الإعلامى الخاص بتغطية عملنا الجماهيرى والجبهوى وتطوير موقع الحزب على شبكة المعلومات الدولية ( الإنترنت )

4. تطوير علاقاتنا مع منظمات المجتمع المدنى العاملة فى المجالات الاقتصادية والعمالية وحقوق الإنسان 0

5. وحول الجوانب التنظيمية للحزب أصدرت اللجنة المركزية عدد من القرارات والتوصيات لتفعيل نشاط الهيئات المركزية ولجان المناطق وإعمال مبدأ المحاسبة داخل كل الهيئات ، وإقرار مبدأ المسئولية الواحدة للعضو القيادى الواحد ، وخلق مجالات عمل جماهيرية لكل عضو بالحزب ، ووضع خطط للعمل الحزبى بمجالاته المختلفة كل فترة زمنية محددة يتم فى نهايتها تقييم أداء الهيئات والأفراد

6. وقررت اللجنة المركزية تشكيل لجنة من بين أعضائها لصياغة وثيقة سياسية على أساس رؤية استراتيجية تراعى وتتعامل مع المتغيرات العاصفة التى اجتاحت العالم تحدد توجهاتنا ومواقفنا وخريطة تحالفاتنا محليا وإقليميا وعالميا خلال المرحلة القادمة

عاش كفاح الطبقة العاملة

عاش كفاح الشعب المصرى

عاش كفاح الشيوعيين

About Communist Party of Egypt

الحزب الشيوعى المصرى Communist Party of Egypt
هذا المنشور نشر في غير مصنف وكلماته الدلالية , , . حفظ الرابط الثابت.