المقاومة هي السبيل لإسقاط المخططات الإمبريالية الصهيونية في المنطقة

في اعتقادنا أن تاريخ 12 يوليو تاريخ شن الحرب الإسرائيلية الأمريكية على لبنان سيشكل علامة فارقة في إعادة رسم مستقبل منطقة الشرق الأوسط. إن الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان بدعم وغطاء كامل من الإدارة الأمريكية هي حرب بكل المقاييس غير مسبوقة من ناحية القوة التدميرية وحجم المتفجرات والصواريخ التي أسقطت على الأراضي اللبنانية والمجازر اللاإنسانية التي لحقت بالبشر والحجر على مرأى ومسمع من العالم كله. ولقد تركت مشاهد كل هذا الدمار أثراً لا يمحى على نفوس ملايين البشر التي رأت جثث الأطفال والنساء تحت الأنقاض .

    إن ما تبقى من سمعة لدى العسكرية الإسرائيلية قد تم كسر هيبته في لبنان، ليس نتيجة عجزهم أو فشلهم في تحقيق ما يمكن اعتباره نصراً عسكريا ًواضحاً على الأراضي اللبنانية وإنما لأنهم لم يستطيعوا تحقيق أياً من الأهداف التي أعلنوها لهذه الحرب والخزي والعار الذي لحقهم نتيجة تدمير وقتل وتشريد لآلاف الأسر اللبنانية ،وعجز الخطاب الإعلامي الأمريكي والإسرائيلي عن تبرير هذه المجازر تحت مزاعم نشر الديمقراطية ، أو مواجهة الإرهاب،أو السعي إلى تشكيل الشرق الأوسط الجديد التي دعت إليه الإدارة الأمريكية على لسان وزيرة خارجيتها. ولفهم الأسباب الحقيقية لدوافع الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان ؛ ومن ثم النتائج التي ترتبت على هذا العدوان لابد من إعادة التذكير بالأوضاع السياسية والميدانية قبل الحرب.

 

    · الولايات المتحدة الأمريكية بكل جبروتها العسكري وقدرتها الاقتصادية بعد أكثر من ثلاث سنوات ما زالت تعاني فشلاً ذريعا في العراق، وفي نوفمبر القادم سوف تجرى انتخابات التجديد النصفي لمجلسي النواب والشيوخ ، وهنالك مؤشرات غير ايجابية بالمرة بالنسبة للحزب الجمهوري وخاصة أعضاء الكونجرس الأمريكي المحسوبين على المحافظين الجدد ، وعلى الرئيس الأمريكي ذاته والتي قاربت ولايته الثانية على الانتهاء، وهنالك شك كبير في إمكانيات نائبه “ديك تشيني” أن يحقق نصراً أمام منافسه الديمقراطي، وذلك بسبب الوضع في العراق والشكوك حول صفقات وفضائح مالية تمسه هو شخصياً والشركة التي كان يعمل بها، وارتفاع الأصوات الداعية على إخراج الجنود الأمريكيين من العراق.

 

    · بروز إيران كقوة إقليمية في المنطقة خاصة بعد سيطرة أو نجاح ما يطلق عليه “الاتجاه المحافظ” في إيران، وتمسكهم بالبرنامج النووي ؛ وقطع خطوات جدية في إبرام تحالف (سوري/إيراني)، وتحميل سوريا وإيران مسئولية الفشل الأمريكي في العراق

 

    كل هذه الأمور كانت تؤكد على النية الأمريكية المبيتة في تصعيد الأمور وتصفية المقاومة وحزب الله في الجنوب اللبناني ، وإخضاع المقاومة الفلسطينية وفرض الحلول الاستسلامية عليها، تمهيدا لإخضاع سوريا وإيران ورسم خريطة جديدة للمنطقة من أجل فرض هيمنتها الكاملة عليها في إطار مشروع الشرق الأوسط الجديد، ولا يمكن أن نفهم ما حدث أو يحدث في لبنان خارج هذا السياق.

 

    وفي داخل إسرائيل تدور نقاشات جادة وتساؤلات عن الدوافع الحقيقية لهذه الحرب ، فلأول مرة تخوض إسرائيل حرباً تكون مصلحتها فيها في المرتبة الثانية بعد المصلحة الأمريكية .

 

    قد يضاف إلى ذلك أمور لا يمكن تجاهلها ؛ إسرائيل بالزعامة الجديدة “لحزب كاديما” ؛ أولمرت والذي لا يتمتع بأي إنجاز تاريخي على غرار القادة السفاحين الأوائل ؛ أراد بهذه الحرب أن يضع له اسما ومجدا يدشن به مرحلة الزعماء الثانية ، ولكن فشل المخططات العسكرية أدى إلى خسارة جانب كبير من رصيده مما دفعه إلى التصريح بضرورة إعادة العدوان بأشكال أخرى في الفترة القادمة.

 

    كانت لهذه الحرب إذن مجموعة من الأهداف الأمريكية وأخرى إسرائيلية وتلاقت مع بعضها لتنفيذ هذا المخطط العدواني المبيت. والذي ربما عجل به، حادثة اختطاف أو أسر الجنديين الإسرائيليين، فكانت الحرب المدمرة والتي أربكت باستمرارها وبنتائجها كل التوقعات

 

    لقد كان صمود المقاومة اللبنانية طوال مدة الحرب عظيماً بشكل فاق كل التوقعات ، وبرغم كل الطاقة التدميرية التي امتلكها العدو الإسرائيلي وتسخير التكنولوجيا الأمريكية الحديثة من أقمار تجسس وقنابل –قيل- أنها ذكية ؟! إلا أن رجال المقاومة نجحوا في مواجهة العدوان وتكبيد إسرائيل خسائر جسيمة سواء على المستوى البشري أو على المستوى الاقتصادي والمعنوي أيضا وهو الأخطر وفق تركيبة المجتمع الإسرائيلي الذي يحيا على أسطورة جيشه الذي لا يقهر وأرضه المصانة ومستعمراته التي تشكل نقطة جذب إعلامي لليهود في الخارج والتي أصبحت في خطر وسكانها يختبئون في الملاجئ طوال شهر الحرب، كما توقفت الحياة الاقتصادية في المدن الإسرائيلية الإنتاجية.

 

    والأنظمة العربية الحاكمة التي راهن البعض منها خاصة مصر والسعودية والأردن على أن الحرب لن تطول لأيام معدودة، سارعت بإعطاء التصريحات التي أعطت الغطاء لهذا العدوان الأمريكي الإسرائيلي .

 

    ولقد كشفت الحرب عن مدى زيف وادعاء تلك النظم القمعية والرجعية التي وقفت عاجزة تماما حتى عن مجرد توجيه إدانة أو استنكار؛ بل أنها لم تخجل من نفسها وحملت المقاومة وحزب الله مسئولية هذا العدوان ووصفته بالمغامرة أو العمل لحساب الغير.وهذه الأنظمة المندمجة مع مخططات الرأسمال المعولم كانت ترى أيضا في تصفية مقاومة حزب الله إسكات وتراجع لنهج نضال شعوبها لمناهضة هذه المخططات.

 

    لقد كشفت المقاومة أن هنالك إمكانية حقيقية للمواجهة إذا ما توافرت الإرادة السياسية لتبني خطاب مقاوم بالفعل بدلا من الانبطاح الكامل والخضوع التام أمام الرغبة الأمريكية والإسرائيلية، فالمقاومة من وجهة نظرنا تتسع لتشمل كافة أساليب النضال التي تختلف باختلاف الظروف السياسية والاجتماعية لكل بلد.

 

    إن الصمود الأسطوري للمقاومة والتفاف الشعب اللبناني من حولها برغم ما تعرض له من دمار وتهجير قد أعاق المخططات الإسرائيلية – الأمريكية . كما أن التحركات الشعبية في المنطقة العربية وبلدان العالم الداعمة للمقاومة اللبنانية والرافضة للعدوان الوحشي الإسرائيلي ساعدت في الضغط من أجل وضع حد لهذا العدوان. وبانتقال الصراع إلى أروقة مجلس الأمن ونظرا لاختلال موازين القوى الدولية وتغليب لغة المصالح المشتركة للإمبريالية ونظرا لحالة التخاذل العربي والتواطؤ الدولي، عمدت الإدارة الأمريكية والإسرائيلية إلى تحقيق مكاسب سياسية عجزت عن تحقيقها عسكريا (وخاصة نزع سلاح المقاومة وحزب الله)، فجاء القرار 1701 المنحاز لإسرائيل بهذه الصورة الظالمة والمجحفة في حق الشعب اللبناني والإنسانية جمعاء .

 

    إن الصراع الآن قد تأجل حسمه لكن الأوضاع معرضه للانتكاس من جديد في إطار الالتفاف الأمريكي /الإسرائيلي على ما تحقق من صمود للمقاومة ، والإصرار على تأجيج الصراعات الطائفية والمذهبية بضرب الوحدة الوطنية اللبنانية التي تجسدت أثناء العدوان

 

    إن إفشال هذا المخطط يتوقف بالدرجة الأولى على يقظة الشعب اللبناني وكافة قواه السياسية . والقضية الرئيسية التي يجب أن تكون واضحة لكل قوى التقدم والسلام هي العداء للإمبريالية الأمريكية المتحالفة مع الصهيونية، فالمعركة هي معركة تحرر وطني وديمقراطي واجتماعي ، وليست معركة ذات طابع ديني أو طائفي ، إنها جزء من معركة عالمية لمواجهة الهيمنة الأمريكية والمخططات الاستعمارية ، ولن يتحقق النصر للشعوب في هذه المعركة ما لم يدرك الجميع أهمية تحالف القوى الاشتراكية والقوى الوطنية والديمقراطية بجميع فصائلها في مصر والمنطقة العربية لمواجهة هذا المخطط الاستعماري والنضال من أجل تغيير النظم العربية الاستبدادية الداعمة له.

 

    وما لم تنتبه شعوبنا العربية لخطر التقسيم الديني والطائفي المراد ترسيخه في المنطقة فإننا سنواجه أوضاعا تعيق تقدم مجتمعاتنا لعشرات السنين.

 

    إن الدرس الأهم المستخلص من هذه الحرب يؤكد على أن النظم الاستبدادية لا تحمي الأوطان بل تحمي فقط عروشها وسلطانها ،ووقت أن يتهدد هذا السلطان فإنها لا تمانع في التفريط بالوطن وتقديمه لقمه سائغة لأعدائه.

 

    إن ما حدث يطرح علينا أهمية التركيز على النضال من أجل انتزاع مكاسب حقيقية على الأرض في مجال الديمقراطية وربط هذا النضال بالنضال الوطني والقومي في مواجهة المخططات الإمبريالية، وبالنضال ضد سياسات السلطة اليمينية في المجال الاقتصادي والاجتماعي.

 

    فلنتوحد من أجل إسقاط المخطط الأمريكي / الصهيوني

 

    عاشت المقاومة اللبنانية والفلسطينية

 

    عاشت مقاومة الشعوب العربية

 

    المكتب السياسى

    الحزب الشيوعى المصرى

    24 اغسطس 2006

 

About Communist Party of Egypt

الحزب الشيوعى المصرى Communist Party of Egypt
هذا المنشور نشر في الحزب الشيوعى المصرى وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.