قراءة أولية لنتائج الانتخابات التشريعية

عادة وفى نظم الحكم الديمقراطية ، تعد نتائج الانتخابات التشريعية هى انعكاس لحجم وميزان القوى السياسية الفاعلة فى المجتمع وتدلل أيضا عن مدى اقتناع جمهور الناخبين بالخط السياسى والبرنامج الانتخابى لهذا الحزب أو ذاك

وهذا ما لا يمكن أن ينطبق على حالة انتخابات 2005 التى أجريت فى مصر ( لأسباب عدة سنوضحها في حينها ) صحيح أن الانتخابات التشريعية فى مصر – قد كشفت عن مدى عمق الأزمة ( أو المأساة ) التى تعيشها القوى السياسية المدنية فى المجتمع المصرى – يسارية أو ليبرالية أو قومية والتى لا يمكن أن نعفى مسئولية نظام الحكم فى مصر عن الجزء الأكبر من مسببات هذه الأزمة وتهميشه للأحزاب والقوى السياسية الفاعلة فى المجتمع ، يقابله استسلام نسبى لهذه الحالة أو الوضع من قبل الأحزاب

إن نظام الحكم فى مصر والذى ظل طوال السنوات الماضية يحكم بالقبضة الحديدية تارة ، أو لا يقدم إلا هامش محدود جدا من الحركة السياسية ، ويحاصر تلك الأحزاب داخل أسوار مقارها – إن لم يعمد على تخريب داخلى للأحزاب ذاتها – ويمنع قصرا أى ممارسة لعمل سياسى داخل المؤسسات الإنتاجية أو التعليمية مما أولد حالة من التكلس السياسى داخل الأحزاب وخارجها وأصبحت الحياة الحزبية فى حد ذاتها فى ظل نظام بوليسى بهذا الشكل ينظر إليها نظرة شك وريبة !! مما أدى إلى عزوف القطاعات المؤهلة للمشاركة أو الانخراط فى الحياة الحزبية

 

 

وأجاد الحكم فى مصر لعبة ( العصا والجزرة ) أو هكذا تم تصوير الأمر لدى قطاعات كبيرة من الشعب من جراء استسلام واضح لهذا الوضع الذى قد يكون تم فرضه على الأحزاب أو قبلت به بسبب ظروفها الذاتية ( ضعف تنظيمى واضح – عزلة عن الجماهير – خطاب سياسى متخاذل )

ولقد شكل هذا المناخ السياسى حالة طرد خارج الحلبة السياسية الحزبية ، وبدلا من أن تفرز حالة الضعف البين للأحزاب خطاب سياسى جديد وممارسة جماهيرية خلاقة تعمل على جذب تلك النخب السياسية ، مما ساهم فى خلق وضع ربما تناقض فى بعض الأحيان ما بين النخب سياسية ومثقفين نشطوا فى مجالات ومنظمات المجتمع المدنى وترفض الحالة الحزبية القائمة ، وامتد طموحها فى بعض الأحيان أو الممارسات لتشكل بديلا لها ، وأصبحنا نجد كثير من أعضاء لهذه الأحزاب تنشط وتتظاهر ضمن أطر حركات احتجاجية فى حين تمتنع أو لا تمارس هذا الفعل داخل أحزابها ، وأحيانا ما تتعرض للمسائلة التنظيمية تجاه مشاركتها فى هذا التحركات الاحتجاجية !! مما ساهم فى تولد انطباع بأن هناك ” خطوط حمراء ” موضوعة سلفا لتلك الأحزاب عليها ألا تتجاوزها

وتوطدت قناعة لدى الكثير منا بان هناك ما يشبه حالة الاكتفاء أو الرضا عن هذا الوضع أحزاب سياسية رضيت بعدد محدود أو محسوب من النواب وصحف معارضه لها حساباتها ” الخاصة جدا ” فى ممارسة مسئولية المعارضة !! واختفت من أجندة الأحزاب السياسية فكرة أو الطموح أن تطرح نفسها بديلا للنظام القائم

وحين احتدمت معركة التغيير وحتميته الآن كان الزخم والدفع الحقيقى لهذا المطلب يأتى من خارج الأحزاب ولم يعد كافيا أو مقنعا القول بأن الأحزاب كانت تطلب دوما بضرورة إحداث تلك التغييرات ، ولم تنس الجماهير وقت أن كان يتظاهر نشطائها ويسحلون فى الشوارع ويتحرش بالنساء كانت أحزاب المعارضة ” تتوافق ” أو تتحاور مع قيادات الحزب الوطنى الحاكم حول إرجاء الإصلاح إلى ما بعد الاستفتاء على الرئاسة !!!

كما لا يمكن أن تتجاهل تأثير السياسات الاقتصادية والاجتماعية للنظام الحاكم ، والتى عمدت على تفريغ المجتمع من قوى اجتماعية من جراء تنفيذ برنامج الخصخصة وسيادة نمط أو فكرة ” المشاريع الصغيرة ” وما تخلقه من أنماط تفكير مختلفة هى فى نهاية المطاف تعبير عن مزاج البرجوازية الصغيرة والتى تتقبل الهوس الدينى

لقد عم البلاد حالة من السخط الاقتصادى والاجتماعى على مجمل هذه الأوضاع فى ظل غياب فعل سياسى منظم ومستمر والذى كان بإمكانه أن ينظم ويوجه هذه الحالة الساخطة ويرفعها إلى درجة السخط السياسى ، وغياب أو تراجع الفعل السياسى المنظم يجعل بديل ذلك علاقات تقليدية وعائلية وفى بعض الأحيان أو المناطق طائفية أيضا

ولقد لعبت القوى الدينية فى المجتمع دورا لا يستهان به فى خلق هذا المناخ والذى صور وكأن الإسلام كدين مستهدف من قبل الأعداء ؟!! واتسع مفهوم الأعداء عندهم ليشمل الخارج والداخل فأصبح كل أنصار العلمانية والمجتمع المدنى هم أعداء للدين عندهم وكل الذين يقفون فى وجه الدولة الدينية ويطالبون بفصل الدين عن الدولة وكأنهم يضمرون شرا لهذا الدين ولم تكن مجرد مصادفة أن تروج تلك الممارسات التى تزرع بذور الفتنة والانقسام الطائفى فى المجتمع بدءا من حكاية خطف الفتيات المسيحيات لإجبارهم على دخول الإسلام إلى حادث المسرحية التى سبق وعرضت لمدة يوم واحد فقط منذ ما يزيد عن العامين ولكن تم توزيع الاسطوانات لتلك المسرحية ” بالمجان ” فى أماكن شتى وتوقيت متقارب ( إسكندرية والمنصورة والقاهرة والمنيا و ) ولا نعفى هنا مسئولية النظام الأمنى عن هذه الحوادث وربما أراد الاستفادة منها بشكل أو بآخر لإيهام الكنيسة الرسمية وأبنائها بأن النظام الحالى هو المدافع عنهم ، وكذلك لإيصال رسائل إلى الخارج تصب فى ذات الاتجاه

فى ظل هذه الأجواء أجريت انتخابات 2005 أحزاب سياسية فى حالة ضعف تنظيمى واضح ، وتعانى من عزلة جماهيرية أو انقطاع التواصل مع الجماهير وعدم قدرتها أو رغبتها أن تطرح نفسها كبديل محتمل للنظام القائم وأزمة اقتصادية خانقة يعانى منها السواد الأعظم من الناس وسيادة خطاب ثقافى دينى وقفت الأحزاب وقوى المجتمع المدنى عاجزة عن مواجهته أو الاشتباك معه كما نجح الإخوان فى تحييد بعض من هذه الأحزاب وقوى المجتمع المدنى بادعاء التنسيق معهم !! وانتهازية سياسية وقعت فيها بعض من الأحزاب ومعظم المرشحين بما فيهم مرشحى النظام ذاته

ومن هنا لم تكن المفاجأة فى نتائج الانتخابات التى حصدتها أحزاب المعارضة بقدر ما كانت المفاجأة فى عدد المقاعد التى حصدها الإخوان ذاتهم بفعل العوامل والأسباب التى ذكرناها من قبل ، كما لا نستطيع أن نتجاهل أيضا ما يعرف ” بالأصوات الاحتجاجية ” التى وجهت للإخوان انتقاما من الحزب الحاكم والأحزاب معا خاصة وان نسب التصويت تراوحت ما بين 2 – 25% فى أحسن الأحوال – كان القسم الأكبر منها ما يعرف ” بقاع المجتمع ” والذى يسهل خداعه بالشعار العام الغامض أو بظاهرة شراء الأصوات على النحو الذى جرى فى حين إن الجزء الأكبر من الطبقة الوسطى أحجم فعليا عن المشاركة فى الانتخابات

إن التساؤل الهام الذى يطرح نفسه على القوى السياسية المدنية – ما العمل ؟

إن مخاطر حقيقية تهدد الوطن ما لم تتظافر الجهود الجادة لإنقاذه ، متخلية عن أى أوهام انتهازية أو ذاتية إن أولى الخطوات الضرورية والملحة هى حركة نقدية تصحيحيه داخل الأحزاب فى إطار أطرها التنظيمية ولم يعد كافيا مجرد الاعتراف بخطأ هنا وتجاوز هناك أو حتى الإقرار بالنقد الذاتى ، بل يجب قبل كل ذلك أن تتوافر الرغبة والإرادة السياسية لإجراء إصلاحات جذرية داخل البنية الحزبية المصرية بدلا من إعادة الاعتبار لفكرة ومفهوم الحزب السياسى ذاته وإعادة الاعتبار للسياسة وتنشئة والاهتمام بالكادر الحزبى وان يعاد النظر فى منهجية التواصل أو التلاحم مع الجماهير وإزالة كل الخطوط الحمراء الوهمية وإعلاء مصلحة الجماهير على أية مصالح ذاتية

وحزبنا إذ يؤكد أن نتائج الانتخابات التشريعية قد كشفت عن هزيمة لقوى اليسار والحركة الشيوعية فانه يؤكد حرصه على مناقشة هذه الأوضاع بصراحة وعمق فى جميع مستوياتها بهدف كشف الأسباب الموضوعية والذاتية وطرح الوسائل الكفيلة بتغيير هذه الأوضاع وتجاوز هذه الأزمة وسوف يتم تقديم تقرير شامل وعميق يتضمن تحليل ودراسة كافة جوانب الأوضاع فى القريب العاجل

 

السكرتارية المركزية

للحزب الشيوعى المصرى

28/12/2005

About Communist Party of Egypt

الحزب الشيوعى المصرى Communist Party of Egypt
هذا المنشور نشر في غير مصنف وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.