فالتتظافر الجهود للنضال من أجل التغيير الحقيقى

إن إقدام نظام الحكم فى مصر على خطوة تعديل نص المادة 76 من الدستور له عدة دلالات سياسية , تلك المادة التى يقوم عليها نظام الاستفتاء على فرد واحد ، ويستند إليها نظام الحكم فى إقامة السلطة الرئاسية الفردية مطلقة الصلاحيات ، والتى تشكل مع المادة 74 والمادة 77 من الدستور مثلث الحكم الرئاسى الاستبدادى المطلق فى الصلاحيات وفى مدة تقلد المنصب الرئاسى

فقد ظل نظام الحكم فى مصر رافضا – وبعناد شديد – لكل أحاديث أو مطالب الإصلاح السياسى ، وعلى الرغم من أن الأحزاب والقوى السياسية المعارضة ظلت منذ سنوات عديدة تنادى بضرورة إجراء إصلاحات سياسية جدية تبدأ بتعديل مواد الدستور المتعلقة بالصلاحيات المطلقة لرئيس الجمهورية والمتعلقة بطريقة الانتخاب للرئيس ونائبه بحيث يتم التحول من نظام الاستفتاء إلى نظام الانتخاب من بين اكثر من مرشح ، والمتعلقة بمدة تقلد المنصب بحيث لا تزيد عن مدتين متتاليتين ، وغير ذلك من ضرورة إلغاء حالة الطوارئ وكافة القوانين المقيدة للحريات كل ذلك من اجل قيام جمهورية برلمانية ، إلا أن نظام الحكم ممثلا فى الرئاسة أو الحكومة أو البرلمان أو الإعلام الحكومى ظل ينظر إلى هذه المطالب والنضالات باستهانة ، وظل الوضع كذلك حتى إعلان 26 فبراير 2005 الشهير حول الرغبة فى تعديل المادة 76 من الدستور

 

 

وليس لذلك من دلالة سوى أن إقدام نظام الحكم على هذه الخطوة – المفاجئة إعلاميا – لم يكن تعبيرا عن رغبة ذاتية للسيد الرئيس كحاكم فرد مطلق الصلاحيات ، ولا تعبيرا عن نزعة ديمقراطية أو ليبرالية سياسية قد ظهرت فجأة عند حلقة ضيقة أو واسعة داخل دوائر السلطة الحاكمة 0 بل كانت بالضرورة تعبيرا عن ضغوط شديدة داخلية وخارجية أجبرت النظام فى عدة أسابيع أو عدة أيام للانتقال من تحبيذ نظام الاستفتاء إلى اتخاذ خطوة تعديل المادة 76 وإلغاء النظام القديم والقبول بنظام الانتخاب من بين اكثر من مرشح 0 وهكذا فان الدلالة الأساسية لهذه الخطوة أننا أمام تحول جزئى تم قسرا بسبب جملة من الضغوط متعددة المصادر متعددة الأهداف

وبغض النظر عن الأوزان النسبية لكل من الضغوط الداخلية والضغوط الخارجية التى تقف خلف إقدام النظام على خطوة تعديل المادة 76 من الدستور ومع إقرارنا بوجود ضغوط خارجية إلا أننا نرى أن الضغوط الداخلية كانت حاسمة ، تلك الضغوط المتمثلة فى تصاعد الحركة السياسية الرافضة لنظام الاستفتاء والمطالبة بضرورة تعديل الدستور وضرورة الإصلاح والتغيير ، وهى حركة واسعة متعددة الأطياف متعددة الوسائل والأساليب تكونت باتفاق – أو بدون اتفاق – من أحزاب وقوى سياسية ولجان شعبية ومنتديات ثقافية وحركات إصلاح ، وقد أسفرت هذه الحركة ( حتى لو ظلت نخبوية ) عن عقد جملة من المؤتمرات السياسية والمظاهرات الاحتجاجية وجمع التوقيعات وإصدار البيانات السياسية وتقديم العرائض الأمر الذى جعل من قضية تعديل الدستور ومن شعار انتخاب رئيس الجمهورية من بين اكثر من مرشح قضية رأى عام داخل التجمعات المهنية والطلابية وفى صفوف المثقفين

إن تقديرنا للوضع الحاسم لفاعلية الضغوط الداخلية لا يجعلنا نقلل من شأن الضغوط الخارجية أو اعتبارها كأن لم تكن لكننا نجعل من الضغوط الداخلية عنصرا حاسما لان نظرتنا للضغوط الداخلية لا تقف بها عند حدود تصاعد الحركة السياسية الاحتجاجية ذات الطابع النخبوى ، لا نقف بها عند هذه المظاهرة أو تلك أو هذا البيان السياسى أو ذاك أو هذه الحركة أو تلك بل نمتد بهذه الضغوط الداخلية الحاسمة فى فعلها إلى أوضاع الأزمة الشاملة ، إلى وصول الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التى صنعها النظام الحاكم إلى حد الكارثة ، تمتد من أوضاع البطالة وانعكاساتها على الشباب ، إلى أوضاع الأزمة الاقتصادية وتفجيرها لجملة من الاحتجاجات العمالية والفلاحية وتصاعد أوضاع الرفض لاستمرار حالة الطوارئ وتقييد الحريات بين صفوف المهنيين وبصفة خاصة أساتذة الجامعات وقضاة مصر

ومن هنا فإننا نؤكد على أن جملة من الضغوط الخارجية والداخلية كانت خلف إقدام النظام على تعديل المادة 76 من الدستور لكننا نؤكد فى نفس الوقت على أن الضغوط الداخلية الممثلة أساسا فى اشتداد الأزمة ونهوض الحركة السياسية المناضلة من اجل تعديل الدستور عن طريق التغيير الديمقراطى الشامل كانت الأكثر حسما فى دفع النظام نحو فتح ثغرة فى جدار الأزمة

كما أن للضغوط الخارجية من اجل الإصلاح أهدافها المرتبطة بتحقيق مصالحها الاستعمارية فى المنطقة وخاصة فى مصر عن طريق خلق الظروف الملائمة لتعميق التبعية والهيمنة ، تلك التى يعبر عنها مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الموسع ، فان إقدام نظام الحكم تحت الضغوط على فتح هذه الثغرة للحفاظ على مصالحه الطبقية ، وتخفيف الضغوط الخارجية من جهة أخرى ، فالنظام المصرى يريد بهذه الخطوة الالتفاف على المطالب الشعبية واحتواء الحركة الاجتماعية الصاعدة من اجل التغيير السياسى والدستورى

وقد سبق وان أشرنا فى التقرير لسياسى الصادر عام 2003 أن الإدارة الأمريكية – وبعد أن نجحت إلى حد كبير فى بسط الهيمنة على العالم – تسعى الآن لضمان الاستقرار لهذه الهيمنة ، وترى أن مواجهة الإرهاب يجب أن تكون مواجهة خارج الأراضى الأمريكية من المنابع التى يصدر منها ( أى الشرق الأوسط تحديدا ) هنا يظهر أحد أهم أهداف الديمقراطية الأمريكية ولكن الخطورة تأتى من أن النظم العربية – وخاصة النظام المصرى – تنظر إلى قضية الإصلاح من منطلق إرضاء الطرف الأمريكى بصفة أساسية

ومن هذا المنطلق فان حزبنا يرى فى تشديده على أهمية وضرورة التغيير الشامل كما عبر عنه فى تقريره السياسى الصادر فى أغسطس 2004 وفى بيانه السياسى فى 6 فبراير 2005 الرافض لنظام الاستفتاء والمطالب بضرورة تعديل الدستور وانتخاب رئيس الجمهورية من بين اكثر من مرشح وإلغاء حالة الطوارئ والمطالبة بضرورة تصعيد النضال السياسى والجماهيرى من اجل التغيير الحقيقى ، هو فى نفس الوقت نضال من اجل حماية الوطن ومواجهة مخاطر استباحته بشكل كامل عن طريق الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية للإمبريالية الأمريكية

إن وعينا بأهداف الضغوط الخارجية وبحدود الخطوة التى اضطر النظام تحت الضغوط للإقدام عليها ومحاولاته للالتفاف حولها وتفريغها من أى مضمون ، لا تمنعنا من ضرورة النظر إليها كثغرة فى جدار الاستبداد والحكم الفردى تحتاج لمزيد من النضال والعمل المشترك متعدد القوى متنوع الوسائل والأساليب على طريق التغيير الشامل

وفى هذا السياق فان حزبنا ينظر بتقدير عالى لموقف نادى القضاة بالإسكندرية ورفض القضاة لإدارة اللعبة الانتخابية بذات الأسلوب القديم ومطالبتهم بضرورة الإشراف الكامل على العملية الانتخابية 0 ويدعو كافة الأحزاب الديمقراطية والقوى السياسية والنقابية والعمالية لدعم موقف قضاة مصر ومواجهة اتجاه الحكم لمنع حقوق الاجتماع والاحتجاج والتظاهر التى تم انتزاعها ، ومن واقع حرصنا على تطوير الحياة السياسية فإننا ندعو أحزاب المعارضة أن تنأى بنفسها عن التورط مع الحزب الحاكم وأجهزته الأمنية فى محاولاتها تحجيم الحركة الاحتجاجية ومحاولاتها حبس المظاهرات فى أقفاص أو أماكن خاصة معزولة عن حركة الشارع المصرى ، وندعوها إلى رفض هذه المحاولات المقيدة لحرية التحرك السياسى والحزبى والجماهيرى والى ضرورة المشاركة مع كل القوى السياسية والشعبية فى تصعيد النضال من اجل إلغاء حالة الطوارئ وفتح أبواب التغيير الديمقراطى الشامل ودعم الحركة الاحتجاجية المتصاعدة للعمال والفلاحين والمثقفين

إن ثغرة فى جدار الاستبداد قد فتحت ، ولكن النظام يريدها مجرد ثغرة قابلة للإغلاق بأحجار الديكتاتورية من خلال الشروط التى يريد الحزب الحاكم من خلالها استمرار احتكاره للسلطة والثروة

والضغوط الخارجية حجة جاهزة لترويع القوى الوطنية ، فهل آن الأوان لكل القوى الديمقراطية والوطنية والتقدمية أن تتظافر جهودها على طريق التغيير السياسى والدستورى الذى بفتح الطريق أمام التغيير الشامل الذى تنشده جماهير شعبنا

 

السكرتارية المركزية للحزب الشيوعى المصرى

 

About Communist Party of Egypt

الحزب الشيوعى المصرى Communist Party of Egypt
هذا المنشور نشر في الحزب الشيوعى المصرى وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.