التقرير السياسى الصادر عن الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب الشيوعى المصرى

الاجتماع الموسع للجنة المركزية

للحزب الشيوعى المصرى

التقرير السياسى

 
التغـيير الشامل ضرورة ملحة

لم تعـد أهداف التغـيير مجرد أحلام ورغـبات مكبوتة في دوائر ضيقة من أفراد النخبة السياسية والثقافية في بلادنا ؛ بل اتسعـت لتصبح حديث كل الدوائر الشعـبية وغـير الشعـبية ، وحديث الصحف ووسائل وأدوات الإعلام المعارضة والحكومية ، المحلية والأجنبية ، وحديث كل الأحزاب والقوى السياسية ، اليسارية واليمينية ، وحديث جماعات ومنتديات ومراكز وجمعـيات ومنظمات المجتمع المدني .

وليس لهذا الاتساع سوى معـنى واحد ، هو أن التغـيير أصبح مطلبا ملحا لأوسع الفئات والجماعات والطبقات والقوى والدوائر الاجتماعـية والسياسية والثقافية في بلادنا ، مع اختلاف الأسباب أو الأهداف والطموحات أو اختلاف درجة أو نوعـية أو حدود التغـيير المطلوب .

ويعكس واقع اتساع نفوذ مطلب التغـيير بين الفئات والطبقات المختلفة مدى التردي الذي وصل إليه الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في بلادنا ، ومدى اتساع الإحساس والوعـي الاجتماعي بهذا الواقع المتردي ، والإحساس والوعـي بأهمية وضرورة تغـييره .

لكن أوضاع الواقع المحلي المتردي لا يمكن عـزلها عـما يدور في العالم من أحداث جسام ، فالهجوم الإمبريالي الكاسح بقيادة أمريكا للسيطرة عـلى العالم – في هذه المرحلة من تاريخ العالم والمنطقة ـ يقوم بدور الفاعـل الرئيسي في تشكيل ملامح الوضع الراهن بأبعاده العالمية والإقليمية والمحلية ؛ من هنا يهتم هذا التقرير بتناول الخطوط الرئيسية للوضع الراهن بأبعاده المختلفة انطلاقا من مركزية الوضع الدولي وتأثيره الكبير عـلى بقية الأوضاع الإقليمية والعـربية والمحلية ، دون إغـفال لجدل العلاقة بين الخارج والداخل ، ودون تجاهل لمسئولية النظم الحاكمة المحلية وسياساتها الطبقية في تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعـية والسياسية ، تلك التي جعـلت من مطلب التغـيير الحقيقي الشامل مطلبا ملحا .

 

 

أولاً : الوضع الدولي :

تصاعد الهجوم الأمريكي للسيطرة على العالم :

يعيش عالمنا في ظروفه الراهنة من بدايات القرن الحادي والعـشرين تحت تأثير حدث رئيسي هو تصاعد الهجوم الإمبريالي الأمريكي للسيطرة علي العالم ، وقد وصل هذا الهجوم إلى مرحلة نوعية جديدة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 بخروج الجيوش الإمبريالية لشن الحروب العـدوانية واحتلال الدول .

فقد استثمر الجناح الرأسمالي اليميني المحافظ الحاكم في أمريكا أحداث 11 سبتمبر في بناء تحالف استعماري دولي جديد ، يهدف إلى تمكين الرأسمالية الأمريكية من استكمال بسط نفوذها المنفرد علي العالم، تحت غطاء الحرب ضد الإرهاب .

وقد نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في بناء ذلك التحالف في حملتها العسكرية ضد أفغانستان ، لكنها تسببت في إحداث انشقاق مصالح وتمايز في المواقف بين القوي الرأسمالية عند قيامها بحملتها العسكرية ضد العراق ، وكشف ذلك الوضع الأخير عن قدر من التباين في الرؤى الاستراتيجية والاختلاف في المصالح القومية المباشرة للرأسماليات المتقدمة ودولها في الغرب ، وخاصة بين المصالح الخارجية للرأسماليات الأمريكية والبريطانية والفرنسية والألمانية والروسية ، كما فضح حقيقة الأهداف الاستعمارية المرتبطة بالمصالح الاقتصادية والبترولية للولايات المتحدة الأمريكية ، خاصة حين صممت على شن الحرب العـدوانية على العراق خارج مظلة الأمم المتحدة تحت غطاء زائف هو تدمير أسلحة الدمار الشامل والإطاحة بنظام صدام حسين ، وتحت شعار أشد زيفا هو تحرير العراق ونشر الديموقراطية في الشرق الأوسط .

ويعبر التصعيد الراهن للهجوم الإمبريالي الأمريكي عن صعود جديد لنزعة الهيمنة الاستعمارية الأمريكية ، كتعبير عن التحولات الاقتصادية والسياسية داخل المجتمع الأمريكي، كتعـبير عن تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، أزمات الركود والجوع للطاقة ، أزمات البطالة وتفشي العنف والجريمة ، وكتعبير عن صعود تيار الليبرالية الجديدة إلى قمة السلطة السياسية في أمريكا ، وهو تيار يميني أصولي محافظ في بنيته السياسية وتوجهاته الأيديولوجية ، وهو تيار يعبر عن تحالف المجمع الصناعي العسكري واحتكارات البترول الأمريكية ، ويتسم هذا التيار اليميني الأمريكي بنظرته الثقافية الاستعلائية ، ورؤيته السياسية العدوانية ، وبرنامجه الاقتصادي الليبرالي المحافظ ، ولذلك فإن هذا التيار يعبر عن الجناح الأكثر يمينية ورجعية وعدوانية في الطبقة الرأسمالية الأمريكية المعاصرة .

ويؤكد هذا الجناح على عناصر الاستعلاء الثقافي والعنصري والعدوانية الاستعمارية والليبرالية الاقتصادية ، ويدفع العالم سريعاً إلى ما بات يعرف بعسكرة العـولمة ، حيث بسعـي هذا الجناح الحاكم في أمريكا إلى جر المراكز الرأسمالية نحو سلسلة من الحروب الاستعمارية لتنفيذ الاستراتيجية الكونية للإمبريالية الأمريكية التي تهدف إلى السيطرة الاقتصادية والسياسية والعـسكرية عـلى العـالم .

وبينما ظهر الخطاب الأيديولوجي للعـولمة الرأسمالية مبشرا بانتهاء عـصر الحروب والغزوات العسكرية الاستعمارية وانتهاء عصر التناحر الرأسمالي ، ومبشرا بظهور عصر الرأسمالية العالمية الجماعية وانتهاء عصر الرأسماليات القومية وعصر الدول القومية ؛ حولت الإمبريالية الأمريكية هذه الخطابات إلى مجرد أغطية أيديولوجية كاذبة ، مؤكدة على سعـيها لاستمرار عصر الهيمنة الأمريكية وسعـيها للسيطرة الاستعـمارية على شعـوب العـالم ، مستخدمة في ذلك أدوات الحصار الاقتصادي والهيمنة السياسية والثقافية وأدوات العـدوان العـسكري وشن الحروب الاستباقية وإسقاط النظم المارقة ودعم الحركات العـنصرية والرجعـية ونظمها الحاكمة ، وأدوات الاحتلال العـسكري المباشر والتهديد بالتدخل ، والتدخل العسكري الفعلي وتغيير النظم .

ولم يكن الوضع الدولي كله ممهدا تحت أقدام الهجوم الإمبريالي الأمريكي للسيطرة على العالم ، ولم يكن الطريق مفتوحا أمام انطلاق قطار العولمة الرأسمالية الليبرالية الجديدة بدون مقاومة ، فقد ظهرت الحركة العالمية المناهضة للعولمة ، المناهضة لتوحش الرأسمالية ، المناهضة لمخططات الحرب والعدوان الاستعماري الجديد ، فخرجت المظاهرات ضد منتدى دافوس وضد اجتماعات منظمة التجارة الدولية ، وضد اجتماعات الثمانية الكبار الذين يقومون بدور مجلس إدارة الرأسمالية العالمية ، ونددت المظاهرات المناهضة للعـولمة الليبرالية الجديدة بما سببته الأجهزة الاقتصادية والمالية للرأسمالية العالمية من نهب وإفقار وديون لشعـوب العـالم الثالث في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية .

وقد شهدت الحركة العـالمية المناهضة للعـولمة – التي كانت قد بدأت تظهر بقوة منذ مظاهرات سياتل عام 1999 – تطورا سياسيا وتنظيميا نوعيا في يناير 2001 بتكوين وانعـقاد المنتدى الاجتماعي العالمي في بورتوالليجري بالبرازيل كمنتدى لدعاة العـولمة البديلة في مواجهة المنتدى الاقتصادي العـالمي كمنتدى لدعاة العـولمة الرأسمالية الليبرالية الجديدة ، وعقد المنتدى الاجتماعي منذ ذلك الوقت أربعة اجتماعات سنوية كبرى في بورتوالليجري بالبرازيل وكان آخرها في 2004 في بومباي بالهند .

وكان رد شعوب العالم على الحكومات التي شاركت الإمبريالية الأمريكية في عدوانها حاسماً ومبهراً، فقد أسقط شعب أسبانيا خوسيه ماريا أزنار وحكومته في أول انتخابات برلمانية بعد حرب العراق لصالح صعود الحزب الاشتراكي وحلفائه من اليسار ، وشهدت الانتخابات الأوروبية صعوداً ملموساً للقوى المناهضة للحرب وعسكرة العولمة وصعوداً لقوى اليسار .

وشهد الوضع العالمي صراعاً مكشوفاً أثبت فيه اليسار وقوى التقدم والديموقراطية قدرتهم على إمكانيات دائمة لإحراز انتصارات شعبية غالية ، فقد وجه الزعيم الشعـبي اليساري هوجو شافيز الرئيس المنتخب لفنزويلا منذ عام 1998 لطمة قوية للإمبريالية الأمريكية ومخططاتها للتدخل في بلاده ولطمة أشد للمعارضة الرأسمالية اليمينية الفنزويلية ، بفوزه الكبير في استفتاء 15 أغسطس 2004 بنسبة تخطت 58% من الأصوات .

وكان شافيز قد فاز في انتخابات الرئاسة الفنزويلية عام 1998 بتأييد أكثر من 56% من الأصوات ، ومنذ ذلك التاريخ كان العداء والصراع واضحاً بين حكومة فنزويلا اليسارية الشعبية بقيادة شافيز والولايات المتحدة الأمريكية ، فقد انتهجت حكومة شافيز خطاً استقلالياً وتقدمياً واضحاً قام على رفض أي تدخل أمريكي في الشأن الفنزويلي ، ورفض تمويل أمريكا لكثير من فرق المعارضة الفنزويلية ، ورفض تحويل فنزويلا إلى مستعمرة أمريكية ، وزاد العداء الأمريكي لحكومة شافيز بسبب إقامتها علاقات تعاون وصداقة مع السلطة الكوبية بزعامة فيدل كاسترو العدو التاريخي لأمريكا ، ولأن شافيز عزز علاقاته مع الزعيم اليساري للبرازيل لولا دي سيلفا ، ولأنه بذلك ساهم بقوة في خلق منطقة مستقلة عن أمريكا وذات نفوذ شعـبي وتوجه تقدمي في الفناء الخلفي للولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الكاريبي .

جاء شافيز للحكم عن طريق انتخابات ديموقراطية ، وعلى الرغم من ذلك ناصبته أمريكا التي تدعي رفعها للواء نشر الديموقراطية في العالم العداء ، وناصبته قوى المعارضة الرأسمالية الليبرالية الفنزويلية التي تزعم الترابط بين الرأسمالية والديموقراطية العداء ، ومنذ اليوم الأول لفوز اليسار بقيادة شافيز في فنزويلا والمؤامرات لم تتوقف من أجل الإطاحة به وببرنامجه الشعبي التقدمي الاستقلالي ، ومولت أمريكا تحركات صاخبة لمعارضة شافيز ، مظاهرات واعتصامات وإضرابات وحملات تشنيع إعلامية واتهامات ، وصلت إلى حد تدبير انقلاب عسكري في إبريل 2002 لم يصمد كثيراً أمام حركة الجماهير العمالية والشعبية الفنزويلية التي أحبطت الانقلاب وأعادت شافيز إلى الحكم ، وعلى الرغم من هذا السلوك الانقلابي الاستبدادي لقوى المعارضة الموالية لأمريكا لا تتورع الأبواق الإعلامية للمعارضة الفنزويلية والآلة الإعلامية الأمريكية من الحديث عن الرئيس المنتخب ديموقراطياً بأنه شيوعي شمولي وبأنه يستخدم أساليب قطاع الطرق للاحتفاظ بالسلطة ، لكن المعارضة التي تتمسح في الديموقراطية لم تر في انقلابها العسكري الفاشل عملاً من أعمال قطاع الطرق أو الشمولية .

وكانت نتيجة استفتاء الأحد 15 أغسطس لطمة قاسية للمعارضة ولأمريكا لأن هذا الاستفتاء كان المراهنة الديموقراطية السلمية الأخيرة للتخلص من هوجو شافيز دون التورط في صراع عنيف قبل انتهاء مدة رئاسته الدستورية في ديسمبر 2006 ، لكنها يجب أن تكون درساً عميقاً لقوى التقدم والاشتراكية في بلادنا وبلاد العالم ، فهاهو الوجه الديموقراطي لأمريكا والموالين لها من فرق المعارضة الرأسمالية اليمينية، إنه الوجه الذي لا يرضى بأقل من التبعـية وتحويل البلاد إلى مستعمرة أمريكية بلا استقلال أو سيادة ، وتحويل الحكام إلى مجرد خدم وعملاء بلا إرادة ، وهاهو الوجه الديموقراطي لليسار ، إنه الوجه الذي يكتسب قوته من إيمان عميق بالاستقلال الوطني ورفض التبعية ، وإيمان عميق بالإرادة الشعبية المحررة من الفقر والفاقة والقهر والاستبداد .

لقد أثبت استفتاء 15 أغسطس أن اليسار يمكنه أن يصمد وان يحقق انتصارات غالية بالاعتماد على الجماهير العمالية والشعبية ، وأن يفوز في معارك الصراع الوطني والاجتماعي ديموقراطياً ، فقد فاز الرئيس الفنزويلي في مواجهته للولايات المتحدة خارجياً والمعارضة اليمينية في الداخل عن طريق معركة ديموقراطية اعتمد فيها على جماهير الطبقات الشعبية الفقيرة ، تلك الجماهير التي عرفت الأمل في مستقبل أفضل عن طريق البرامج الاقتصادية والاجتماعية لحكومة شافيز اليسارية ، تلك البرامج الصناعية والزراعية والخدمية والتعليمية والصحية التي جذبت كثير من الفئات الوسطى والمهمشة والمثقفين إلى جانب جماهير الطبقة العاملة ، وجذبت جماهير الريف الذي كان منسياً وغارقا في الفقر والجهل للمشاركة السياسية ، وأحيت مواقف الرئيس شافيز الاستقلالية في مواجهة العدوانية الأمريكية روح الإرادة الوطنية الشعبية للدفاع عن استقلالية وسيادة فنزويلا .

فظهر شافيز أمام الجماهير الشعبية لبلاده زعيماً شعبياً بتبنيه لمصالحهم الاقتصادية والاجتماعية ، وزعيماً وطنياً لدفاعه عن استقلال بلاده ومواجهته لأمريكا ، وظهر شافيز أمام قوى اليسار والتقدم والديموقراطية في أمريكا اللاتينية والعالم زعيماً عالمياً ، استطاع أن يشق عصا الطاعة الأمريكية ، وان يدافع عن المصالح البترولية ضد الهيمنة الأمريكية ، وان يصنع مع زملائه من زعماء اليسار في الفناء الخلفي للولايات المتحدة الأمريكية تحالفاً يسارياً ومنطقة نفوذ شعبي تحرري وديموقراطي ، وجاء الاستفتاء الأخير مؤكداً على جدلية الوضع الدولي وحركيته وعدم ثباته ، وعلى حيوية الصراع على مستوى العالم ، وعلى إمكانية إحراز الانتصارات في وجه العدوانية الأمريكية وشراسة الهجوم الإمبريالي للسيطرة على العالم .

ثانياً : الوضع العربي:

تصاعد الهجوم الأمريكي- الصهيوني على شعوبنا العربية :

ويعكس هذا الوضع العالمي نفسه على مجمل الوضع العربي الراهن في صورة تصعـيد جديد للهجمة الاستعـمارية الأمريكية الصهيونية على شعوبنا العربية ، حيث يعبر عن صعود نوعي جديد للتحالف الاستراتيجي بين الجناح الإمبريالي الحاكم في أمريكا والجناح الصهيوني اليميني الحاكم في إسرائيل .

إن هذا التحالف الاستعماري يهدف إلى السيطرة الاقتصادية والسياسية علي منطقتنا العربية كمنطقة غنية بالثروات البترولية ، وكمنطقة استراتيجية بين قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا ، وكمجال للصراع بين الأقطاب الجديدة الصاعدة كالإتحاد الأوروبي والصين واليابان وروسيا ، وكمنطقة صراع تحرري وطني بين الشعوب العربية وقوي التحرر الوطني الفلسطينية من جهة ودولة إسرائيل الصهيونية العنصرية والإمبريالية الأمريكية من جهة أخري .

إن الجديد في الوضع الإقليمي والعربي هو أن الهجمة الولايات المتحدة الأمريكية قد دفعت بجيوشها لاحتلال دولة عربية جديدة هي العراق ، وذلك في ظل انهيار النظام الرسمي العربي بدوله المتناحرة ونظمه المتخاذلة ، فقد ظهرت الأنظمة العربية إما مساندة للعدوان الأمريكي أو مؤيدة له أو خانعة أو مستكينة أو غارقة في الصمت المريب .

واستثمرت الحكومة اليمينية في إسرائيل كل من أحداث 11 سبتمبر 2001 ، ورفع أمريكا لشعار مواجهة الإرهاب ، وانهيار النظام الرسمي العـربي ، في تأكيد التحالف الإستراتيجي الأمريكي الصهيوني وفي تصعيد حملات العدوان العنصري بطريقة وحشية لتدمير مقومات الشعب الفلسطيني وانتفاضته ورموزه وسلطته الوطنية ، فصعدت من حملاتها العسكرية لهدم القرى والمخيمات الفلسطينية وتدمير الحقول والمزارع وهدم المنازل والقضاء علي البنية الأساسية في الضفة الغربية وغزة وارتكاب المذابح الجماعية كمذبحة جنين ، وحصار رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية في مقره في رام الله ، واغتيال الزعماء والقادة السياسيين مثل أبو علي مصطفي والشيخ ياسين والدكتور عبد العـزيز الرنتيسي وغيرهم من طابور الشهداء الطويل ، واعتقال المناضلين من قادة الانتفاضة وعلى رأسهم المناضل مروان البرغوثي ورفاقه .

واستثمرت حكومة اليمين الليبرالي المحافظ في أمريكا أوضاع ما بعـد احتلال العـراق في تصعـيد حملاتها ضد بقية النظم العـربية والإقليمية ، فوجهت التهديدات الصريحة ضد كل من سوريا وإيران في محاولة لخنقهما وتجريدهما من عناصر المقاومة والرفض للهيمنة الأمريكية والصهيونية ، واستثمرت أوضاع تفاقم الحرب الأهلية في إقليم درافور والممارسات الخاطئة للحكومة السودانية لتوجه تهديداً جديداً يمهد للتدخل العسكري في السودان .

ولم تسفر تلك الضغـوط والتهديدات عن تحقيق كامل الطموحات الأمريكية في القضاء علي علاقات كل من سوريا وإيران بحزب الله اللبناني أو إدخال سوريا في مفاوضات سريعـة مع إسرائيل أوفي القضاء علي نظم التسليح والإنتاج الإيراني للصواريخ الباليستية طويلة أو متوسطة المدى ، بل أسفرت تلك الضغـوط عن عودة التيار المحافظ إلي الحكم في إيران ، وهو تيار متشدد في العـداء للولايات المتحدة الأمريكية .

وحيث أرادت أمريكا الدخول في استثمار كبير للأوضاع التي خلفتها حملاتها العـسكرية ضد أفغانستان وضد العـراق وضغـوطها الاقتصادية والسياسية قامت بتقديم مشروعها الجديد الذي أقرته الدول الثمان هو مشروع الشراكة مع منطقة الشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا ، كمشروع جوهره الحقيقي هو استكمال تحقيق الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في مرحلة ما بعـد احتلال العـراق .

وكانت انتفاضة الشعب الفلسطيني للتحرير والاستقلال هي الوجه النضالي الشعبي الرافض لاستمرار الاحتلال ، وقد عبر استمرارها في ظروف بالغة الصعوبة والقسوة عن درجة عالية من كفاحية وصمود الشعب الفلسطيني البطل أمام التصعيد النوعي للمذابح الشارونية بعـد الحادي عشر من سبتمبر 2001 ، وأمام الصمت المريب الذي عبر عن عجز أنظمة الحكم العربية وخنوعها وتبعيتها للرأسمالية العالمية وتخاذلها أمام الهجمة الإمبريالية الأمريكية والصهيونية .

وظهر الوجه الشعبي النضالي المواجه للهجمة الإمبريالية في تصاعد الظهور النشط للجان الشعبية لدعم انتفاضة الشعب الفلسطيني في مصر وعدد من البلاد العربية ، تلك اللجان التي اتسمت بالروح العملية في دعمها السياسي والعـيني للشعب الفلسطيني ، وجمعها للمواد الغذائية والأدوية والبطاطين وإرسال القوافل تلو القوافل إلى فلسطين دعما لصمود الشعب الفلسطيني وانتفاضته الباسلة .

كما اندلعت الاحتجاجات الشعبية في مصر وبعض الدول العربية والغربية في حجم غير مسبوق رفضا للحرب الأنجلوأمريكية ضد العراق ، فقد اندلعت المظاهرات في أكثر من 600 مدينة من مدن قارات العالم ، معلنة رفضها للحرب ومنددة بأهداف السيطرة العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية ورافضة لمبدأ ” دم مقابل بترول “.

وبلغت تلك المظاهرات ذروتها في 15 فبراير 2003 خاصة في عواصم الدول الثلاث التي تحالفت حكوماتها مع الإمبريالية الأمريكية في شن الحرب على العراق ، وحين بدأت أمريكا ضربتها العسكرية الأولى في 20 مارس 2003 خرجت المظاهرات الاحتجاجية المنددة بالحرب في جميع عواصم العالم ، وظهرت أمريكا باعتبارها العـدو رقم واحد لجميع شعـوب الأرض .

ولم تستقر الأوضاع لجيوش الاحتلال الأمريكية والبريطانية على الأراضي العراقية بعـد إعلان نهاية العـمليات العـسكرية في 9 إبريل 2003 ، حيث وجهت المقاومة العـراقية صفعة قوية للحملة العسكرية الأمريكية والاحتلال العـسكري الإمبريالي والمروجين له ولشعاراته الزائفة عن التحرير والديموقراطية .

ويهمنا هنا التوقف بالرصد والتحليل لعـدد من الظواهر والتحولات في الوضع العـربي بهدف وضعها تحت دائرة الضوء وبهدف تحديد موقفنا منها بوضوح لا لبس فيه ، حتى لا تختلط مواقفنا المبدئية وتصوراتنا السياسية مع ما يسود في الشارع العـربي من اختلاط في الفكر وارتباك في الرؤى وخلط في الأوراق .

• المقاومة العراقية : بين مقاومة الاحتلال والعمليات الإرهابية :

إننا نعـلن تأييدنا غير المشروط لكافة أشكال المقاومة الوطنية العـراقية بما فيها الكفاح المسلح والعمليات العسكرية الموجهة ضد قوات الاحتلال العـسكري الإمبريالي للعـراق بهدف التحرير والاستقلال، ونعلن في نفس الوقت تأييدنا لكافة الجهود السياسية والكفاحية التي تستهدف الحفاظ على وحدة التراب العراقي ضد كافة مخططات التقسيم والتفتيت على أسس طائفية أو عرقية ، وتأييدنا لكافة الجهود الوطنية الساعية إلى إقامة عراق جديد موحد وديموقراطي .

ونعلن رفضنا في نفس الوقت للخطاب الاستعـماري الأمريكي والصهيوني الذي يسم كل أشكال مقاومة الاحتلال بالإرهاب ، فالكفاح ضد سلطات وقوات الاحتلال الأجنبي من أجل التحرير والاستقلال بما فيها الكفاح المسلح ضرورة وطنية ، فضلا عن كونه احد المبادئ الأساسية لكافة المواثيق الدولية ، وأحد المبادئ الأساسية التي أرستها حركات التحرر الوطني منذ فجر التاريخ ، وهي قبل كل ذلك حق أساسي من حقوق الإنسان حيث ترتبط ارتباطا وثيقا بحق الإنسان الأصيل في الحرية ، وترتبط ارتباطا أوثق بحق الشعـوب في النضال من أجل التحرر .

لكننا في نفس الوقت نرى ضرورة وأهمية إعلان شكوكنا حول عدد غير قليل من العمليات العسكرية في العراق المحتل ؛ بل رفضنا لمثل تلك العمليات التي توجه فعـلها نحو بعـض الأهداف كمقار الأمم المتحدة أو جماعات السكان في العراق من بعض الطوائف ضد بعضها ، وكذلك عمليات السيارات المفخخة التي يذهب ضحاياها من أبناء الشعب العراقي من المدنيين بالعشرات ، وعمليات الخطف والذبح وقطع الرؤوس وتعليقها على السيوف أمام شاشات التليفزيون ، تلك التي لا هدف لها في نظرنا سوى تشويه صورة المقاومة الوطنية العـراقية ، والانحراف بها نحو العمليات الإرهابية والصراعات الطائفية ، تلك العمليات التي ذهبت في الفترة الأخيرة باتجاه الأعمال الطائفية الصريحة في سلسلة إشعال الحرائق في عدد من الكنائس العراقية ، الأمر الذي يجعل من مثل هذه العمليات انحرافا صريحا عن أي كفاح وطني ، فهي عمليات لا تقدم سوى خدمات مجانية أو مدفوعة الأجر للاحتلال الإمبريالي للعـراق وتساعد في تأكيد أهدافه الاستعمارية .

• دارفور والحرب الأهلية وطبول التدخل الأجنبي :

وقد شهد الوضع العـربي ظهور بوادر أزمة حول مياه النيل عـبرت عن المحاولات المستمرة للضغـط عـلي مصر من جهة الحدود الجنوبية ، وإذا كانت هذه المحاولة قد فشلت حني الآن فإننا نحذر من إمكانية صعـودها من جديد مع تزايد النفوذ الأمريكي والصهيوني في القارة الأفريقية ، كما أن إمكانيات تصعيد أزمة جديدة حول مياه النيل تظل قائمة أيضا مع بقاء العلاقات بين دول حوض النيل في وضع غير مستقر ؛ بل متقلب ويتغير بتغـير الحكومات والأنظمة .

وكانت الحرب الأهلية في السودان قد شهدت تطورا إيجابيا جديدا بتوقيع اتفاقيات وقف إطلاق النار وتقسيم الثروة والحكم بين كل من الجبهة الشعبية لتحرير السودان وحزب المؤتمر القومي الحاكم ، فقد أنهي هذا الاتفاق عشرات الأعـوام من الصراع الدامي بين الشمال السوداني وجنوبه .

لكن هذا التطور الإيجابي في السودان يظل تحت الاختبار إلى أن تظهر الاتفاقيات في التطبيق ، إلى أن يظهر إلى الوجود نظام حكم ديموقراطي في السودان ، يستند إلى دستور ديموقراطي حقيقي ، يمكنه التعامل مع أوضاع التنوع والتعـدد العرقي والثقافي والديني في السودان ، ويمكنه حسم قضايا الخلاف حول اقتسام الثروة الجنوبية بما فيها من آفاق بترولية كبيرة يجري الحديث عنها ، وحول توزيع الحكم المركزي والمحلي في الشمال والجنوب والشرق والغـرب ، ونظرا لافتقاد هذا الاتفاق لتوقيع جماعي من كافة القوي والفعاليات السياسية في السودان كحزب الأمة وأحزاب المعارضة المكونة للتجمع الوطني الديمقراطي السوداني ،الأمر الذي يترك الشمال والجنوب دون غطاء سياسي جماعي يضمن وصول ذلك الاتفاق إلي بر الأمان ، خاصة مع وجود ذراع أمريكية طويلة وفاعـلة في هذه الاتفاقيات ، ولا يمكن عزل الوجود الفاعل لهذه الذراع عن أهداف الاستراتيجية الأمريكية في السيطرة على العالم .

لذلك ارتفعت سريعا طبول الحرب والتهديد بالتدخل الأمريكي البريطاني بمجرد عودة الحرب الأهلية في إقليم دارفور للاشتعال ، ومما لا شك فيه أن حكومة عمر البشير تتحمل مسئولية تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والحضارية في إقليم دارفور وغيره من الأقاليم السودانية التي تتسم بتعـدد الأعراق والثقافات ، سواء كان ذلك عن طريق إهمال التنمية الاقتصادية والاجتماعية لهذه الأقاليم ، أو عن طريق إهمال التعليم والتنمية الثقافية ، أو عن طريق التمييز الاجتماعي والسياسي بين القبائل على أسس عرقية .

إن الحرب الأهلية في السودان تشتعل على قاعدة أساسية من أوضاع التمايز والتمييز الطبقي والاجتماعي النابع أساسا من داخل السودان ، وتتداخل هذه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية مع أوضاع تمايز وتمييز تاريخي بين الأعراق والثقافات والقبائل المتنوعة ، حيث تتداخل أوضاع التمايز الطبقية مع أوضاع التمييز القبلية والثقافية ، مع إضافة أن هذه التمايزات قد اتخذت صورة التمييز بين الأقاليم الجغرافية ، بين الشمال والجنوب والشرق والغرب ، واتخذت صور إشعال الفتن والحروب بينها ، وتقوم الحكومة السودانية بممارسات تساهم في تفجير تلك الحروب الداخلية التي تعطي المبرر والذريعة لانطلاق صيحات التدخل الأجنبي ، لذلك يمكن فهم سرعة استغلال أمريكا لتفجر الأوضاع في دارفور بالسعي نحو استصدار قرار خاص من مجلس الأمن يفتح الباب أمام إمكانيات التدخل الأمريكي العسكري في السودان ، بما يمكنها من الإسراع في تحقيق خطتها وتوسيع نفوذها على حساب النفوذ الفرنسي الذي يتراجع في القارة السمراء .

إننا ندعو القوى الوطنية والديموقراطية السياسية والشعبية في مصر والسودان إلى ضرورة تفهم ما يجري في السودان من حروب أهلية ومن تهديدات بالتدخل الأجنبي في سياق التصعيد الراهن للهجمة الإمبريالية الأمريكية الصهيونية للسيطرة على العالم وفي القلب منها منطقتنا العربية وإفريقيا ، بما يتطلبه ذلك الفهم من ضرورات العمل المشترك من أجل حل المشكلات التي تعيد تفجير الحروب الأهلية في السودان ، والعمل المشترك من اجل تفويت الفرصة على أمريكا في سعيها للتدخل في السودان من باب الصراع العرقي في دارفور .

وعلى القوى الوطنية المصرية أن تقوم بدورها في حماية الأمن القومي الجنوبي لمصر ، ومنع مخططات الحصار وتفجير الأزمات العرقية والطائفية والمائية ، وتمتين العلاقات بين الشعبين المصري والسوداني على قاعدة راسخة من الديموقراطية والكفاح المشترك ضد الاستبداد الداخلي وضد الخطوات الجديدة في الهجمة الأمريكية التي يجري الإعداد لها على قدم وساق .

• القضية الفلسطينية ومخاطر التواجد الأمني المصري في غزة :

أما خطة شارون في الانسحاب المنفرد من غزة في إطار من مباركة بوش فيما يشبه وعـد بلفور القديم ، وما أحاط بهذه الخطة من توجه نحو وجود دور مصري أمني في غـزة بعـد الانسحاب الإسرائيلي المزعوم فإنه يحتاج إلي وقفة سريعة :

إن الخلط بين متطلبات الأمن القومي لمصر والتورط في التواجد المصري في غزة استنادا إلى خطة شارون المدعومة أمريكيا من شأنه توظيف الدور المصري لخدمة متطلبات أمن دولة إسرائيل ، الأمر الذي يترتب عليه توظيف الدور المصري أمنيا ، فهل من المسموح به للحكومة المصرية التورط في تمزيق الوحدة الوطنية الفلسطينية ؟ بالتصادم مع بعـض الفرق تحت مسميات دعم الاتفاقيات السياسية أو الأمنية أو تأكيد أوضاع الاستقرار الأمني في قطاع غزة أثناء فترات الانسحاب الإسرائيلي أو بعـدها ؟

إن الخبرة الطويلة بسلوك قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي وزعماء دولة إسرائيل لا تنبئ أبدا بعمليات انسحاب سريع ونهائي من غزة ؛ بل انسحابات متقطعة بطيئة ثم عودة سريعة للاحتلال في شكل حملات ميكانيكية أو ضربات جوية ، الأمر الذي يستنفر معه ويطلق العنان للعمليات العسكرية الفلسطينية في صور متنوعة من الفعل ورد الفعل والدفاع عن النفس والانتقام من القتلة الصهاينة ، فكيف يكون وضع الوجود الأمني المصري في ظل هذا الواقع ؟ مع من وضد من ولصالح من ؟

من هنا فإن موقفنا يتحدد في رفض ما يلي :

– أي مساهمة مصرية في تمزيق الوحدة الوطنية الفلسطينية .

– أي مساهمة مصرية في تعويق الكفاح الوطني الفلسطيني ضد جيش وسلطات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين الصهاينة في الأراضي الفلسطينية .

– أي تورط مصري عسكري ضد أي فصيل فلسطيني تحت أية حجج أمنية .

– أي دور مصري في حماية الاحتلال الإسرائيلي أو بقاياه في غزة .

– وبالتالي رفضنا للتواجد الأمني المصري في غزة في ظل هذه الظروف .

وقد شهدت القضية الفلسطينية تطورا جديدا على درجة كبيرة من الأهمية بإصدار محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة بلاهاي في التاسع من يوليو 2004 قرارا باختصاصها بنظر مشكلة الجدار العنصري العازل الذي أقامته دولة إسرائيل على الرغم من إقرارها بأنه موضوع سياسي ولكن له جوانب وآثار قانونية هامة ، وأصدرت المحكمة بأغلبية 14 عضواً من بين أعضائها الـ15 – مع تحفظ العضو الأمريكي في المحكمة – رأيها الاستشاري الذي يؤكد على عدم قانونية أو شرعية بناء هذا الجدار ، وطالبت مجلس الأمن باتخاذ الإجراءات التنفيذية الكفيلة بإزالة الجدار ، وطالبت دول العالم بتعويض الفلسطينيين الذين تضرروا من بنائه ، وامتد رأي محكمة العدل الدولية إلى الإقرار القانوني بحقوق الشعب الفلسطيني في كامل أراضي الضفة وغزة بما في ذلك القدس الشرقية والأماكن والأراضي المحيطة بها ، كما امتد الحكم إلى الحديث عن الوجود الصهيوني في الأراضي الفلسطينية كاحتلال .

ويمثل هذا التطور الجديد نصرا تاريخيا للشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية وانتفاضته الشعبية ، وصفعة قوية لكل مخططات الحكومة الإسرائيلية التي كانت تراهن على عدم اختصاص محكمة العدل الدولية كإطار جديد لاستمرارها في تهويد القدس وتعديل الحدود وبقاء المستوطنات ، والاستمرار في إقامة الجدار العازل الذي يلتهم الكثير من الأراضي الفلسطينية ، ويسعى نحو صناعة واقع جديد يساهم في تصفية القضية الفلسطينية ، ولا يمكن أن يكون هذا النصر بعيدا عن تأثير صمود الشعب الفلسطيني ، أو بعيدا عن تكون وعي جديد عالمي مساند للحقوق الوطنية الفلسطينية ، على الرغم من تردي الأوضاع العربية وانهيار النظام الرسمي العربي .

لكن يبدو أن تردي الأوضاع العربية يحول دون استثمار ما يمكن أن يتحقق من انتصارات بفضل بقايا مستمرة من إيجابيات القانون الدولي والعلاقات الدولية وبفضل صمود شعـوبنا العربية وعلى رأسها الصمود المدهش للشعب الفلسطيني ، فعقب إعلان الحكم التاريخي لمحكمة العدل الدولية ، وعقب القرار التاريخي للجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية كاسحة تأكيداً للحقوق الوطنية الفلسطينية تفجر الصراع الفلسطيني في غزة بحجة محاربة الفساد .

إن توقيت اندلاع هذا الصراع كان مثيرا للشك والريبة ، وكأنه أراد أن يشغل الفلسطينيين عن التزود بطاقة كفاحية جديدة عبر الاحتفال بانتصار دولي يؤكد على حقوقهم الوطنية المشروعة ، أو أراد أن يعطي للإسرائيليين مبرراً لاستمرار احتلالهم للأراضي الفلسطينية ، وسوف يظل السؤال قائما لماذا هذا التوقيت بالذات ؟

إننا إذ نعلن موقفنا المبدئي المضاد للفساد ، وموقفنا المبدئي الداعم للديموقراطية والمساند لأهمية إصلاح أوضاع السلطة الفلسطينية كتوجه ينبع من الداخل السياسي والشعـبي الفلسطيني بما يؤكد عـلى الصمود والكفاح التحرري من أجل الاستقلال ، فإننا نرفض استخدام الأطراف الخارجية لمطالب الإصلاح ومحاربة الفساد لممارسة الضغـوط عـلى السلطة الوطنية الفلسطينية تصفية القضية الفلسطينية ، وندعو القوى الوطنية الفلسطينية لضرورة التحلي بأعلى درجات اليقظة بهدف ضد مخططات التحالف الأمريكي- الصهيوني التي تستهدف شق الوحدة الوطنية الفلسطينية وإشعال الصراعات الداخلية بين القوى الوطنية ، وليحرص الشعب الفلسطيني على حماية انتصاراته وصموده واعياً بان وحدته الوطنية أحد أهم عناصر قوته على طريق التحرر والاستقلال وبناء دولته المستقلة .

• الشرق الأوسط ومبادرات الإصلاح والتغيير:

كما شهت الأوضاع العالمية والعربية ظهور عدة مبادرات تسمي نفسها مبادرات للإصلاح مع اختلاف التسميات والعناوين ، فقد ظهرت مبادرة أمريكا تحت عنوان مشروع الشرق الأوسط الكبير ثم الموسع ثم الشراكة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعد موافقة الثمانية الكبار ، وظهرت مبادرة الإخوان المسلمين ، والمبادرة العربية التي أعلنت في مؤتمر مكتبة الإسكندرية .

وبداية فإن موقفنا من مشروع الشرق الأوسط الكبير وتعديلاته لا يقف عند حدود الرفض فقط ؛ بل يتعداه إلى ضرورة الكشف عن أهدافه الحقيقية ، ذلك أن رفضنا لذلك المشروع لا يتصل بالحقائق الموضوعية الحاسمة التي تؤكد حاجة مجتمعاتنا في مصر والعالم العربي لتغيير أوضاع الاستبداد السياسي وإقامة نظم حكم جديدة ديموقراطية ومنحازة لمصالح الجماهير الشعبية الكادحة والمنتجة ، كم أن رفضنا لذلك المشروع لا يتوقف عند حدود القول بأنه قادم من الخارج ، فهذه هي نفس الحجة التي تطلقها الحكومات المستبدة الرافضة للتغيير أو الإصلاح ، كذلك لا يقف الرفض عند حدود التذرع بالحفاظ على خصوصيتنا الثقافية ، فنحن لا نرى أن سمات الاستبداد وأحكامه ونظمه الموروثة من عصور الظلام والانحطاط الثقافي والسياسي من الخصوصيات التي ينبغي الحفاظ عليها ، بل التي ينبغي القضاء عليها ودفنها في متحف التاريخ بجوار الفأس الحجرية .

إن رفضنا للمشروع الأمريكي وتعديلاته لا ينصب على أهمية إقامة نظم الحكم الديموقراطية وإقامة مجتمع المعرفة ؛ بل يتجه لرفض الأهداف الفعلية لذلك المشروع في تحقيق أهداف الهجوم الإمبريالي الجديد للسيطرة والهيمنة ، وفي إقامة نظم حكم تابعة تبعـية مباشرة للتحالف الأمريكي الصهيوني ، نظم حكم تقبل باستمرار احتلال العراق والكويت ودول الخليج العربي ، نظم حكم تساعد في تصفية المقاومة العراقية وتغامر بوحدة التراب العراقي ، وتقبل بتصفية القضية الفلسطينية وشق صفوف الوحدة الوطنية الفلسطينية ، وتقبل بأن يكون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منطقة نفوذ أمريكي تلعب فيه دولة إسرائيل دور الدولة الإقليمية القائدة ، دور الإمبريالية الإقليمية ، بما يتطلبه هذا الوضع الجديد من فرض التطبيع الاقتصادي والسياسي والثقافي وإنهاء بقايا المقاطعة العربية الرسمية ، ورفض أي حديث عن السوق العربية المشتركة أو التكامل الاقتصادي العربي ، ولا بأس في سبيل ذلك من بعض المظاهر الشكلية والمساحيق الديموقراطية التي لا تمت للديموقراطية الحقيقية بصلة .

وجاءت مبادرة الإصلاح العربية بالإسكندرية كرد فعل رسمي يستهدف إعلام الولايات المتحدة الأمريكية أن مشاريع ورغبات الإصلاح متوفرة عند نظم الحكم العربية ، وأن النخبة الثقافية العربية الرسمية وشبه الرسمية هي التي تعـلن عن ذلك في مؤتمر للمثقفين ، ولذلك فإن مبادرة الإسكندرية وفقا لنصوصها وتوصياتها تعبر عن حقيقة المأزق التي تقف فيه أنظمة الحكم العربية بين الضغوط الخارجية والطموحات الشعبية الداخلية ، وتعبر عن مأزق النخبة الثقافية والسياسية العربية وازدواج عقليتها وارتباطاتها بين السلطة والجماهير ، لذلك وفي هذا السياق لا تخلو نصوص وتوصيات مبادرة الإسكندرية من مطالب ديموقراطية إصلاحية ، لكنها لا يمكن أن ترقى إلى مطالب التغيير الشامل التي أصبحت ملحة في النظم والعلاقات السياسية السائدة ، في الديموقراطية السياسية .

وتتفق مبادرة الإسكندرية في جوهرها مع مبادرة الدول الثمان ، من حيث تبنيها للنموذج الاقتصادي الليبرالي المندمج في العولمة الرأسمالية ، ولذلك ليس صدفة أن تستشهد مبادرة الدول الثمان بها وتعتبرها احد مصادرها الهامة .

أما مبادرة الإخوان المسلمين فقد جاءت معبرة عن التوافق السياسي والاقتصادي والاجتماعي مع مجمل السياسات التي يطبقها النظام الحاكم في مصر داخليا وخارجيا ، والخلاف الوحيد هو كيفية إلباس مثل هذه السياسات ثيابا دينية تحت عناوين تطبيق الشريعة الإسلامية وعودة الكتاتيب وقانون الحسبة ودعم مناهج تعليم التربية الدينية والتباس الموقف من تعليم وعمل المرأة .

إن المشكلة الحقيقية لمبادرة الإخوان أنها أسفرت عن سعيها الثابت نحو أسلمة نظم الحكم ونظم التعليم ونظم الاقتصاد ، وكأن الحل هو في تطبيق نفس السياسات الرأسمالية في الخصخصة وأليات السوق ولكن تحت شعارات الاقتصاد الإسلامي ، والإصرار رغم كل أحاديث الموافقة على الديموقراطية وتداول السلطة على هدف الحكومة الدينية والدولة الدينية والتشريع الديني ، الأمر الذي يعصف في التطبيق بكل النظم المدنية والتشريع المدني والدولة المدنية ودور البرلمان المنتخب في التشريع ، ومبادئ سيادة الأمة وسيادة الشعب بما في ذلك الحقوق والحريات الديموقراطية السياسية والمدنية وفي القلب منها حرية الفكر والاعتقاد ونبذ التفريق والتمييز بين الناس في الحقوق والواجبات بسبب اللون أو الجنس أو العقيدة .

إن المبادرات الثلاثة السابقة تتفق في سعيها نحو تكريس أوضاع الاستبداد والتبعـية السائدة مع بعض التعديلات والرتوش الديموقراطية الشكلية في إطار نفس السياسات الاقتصادية والاجتماعية الرأسمالية المطبقة ، وإن كانت مبادرة الإخوان تتفوق في خطابها الديني وفي أهدافها نحو تقديم الإخوان كبديل (إسلامي معـتدل) لنظام الحكم في مصر عـسى أن توافق عليه الإمبريالية الأمريكية .

وعلى الضفة الأخرى من التوجهات الفكرية والسياسية لتلك المبادرات الثلاثة جاءت مبادرة حزب التجمع التقدمي للتغيير الوطني ، ففضلا عن شمول تلك المبادرة لمطالب التغيير في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، فإنها تميزت بتبنيها الواضح لمبادرات وبيانات الإصلاح السياسي والدستوري التي سبق واتفقت عليها القوى الوطنية والديموقراطية والشعبية في مؤتمراتها منذ التسعينيات، وتبنيها الواضح لمطالب التغيير التي اتفقت عليها القوى المكونة للجنة الدفاع عـن الديموقراطية ، وقد سبق وأن شارك حزبنا مع الأحزاب والقوى الوطنية والشعـبية في صياغة وتبني تلك المشاريع والمطالب الديموقراطية ، لكن ملاحظتنا الجوهرية على مشروع التجمع للتغيير الوطني أنه لم يطرح آلية واضحة لتنفيذ هذا البرنامج ، فهل تنفذه جبهة للمعارضة الوطنية والديموقراطية في مواجهة نظام الحكم ؟ أم يكتفي بإجراء بعض الإصلاحات الجزئية بالتوافق مع النظام ؟

إننا نرى أن القوى الوطنية وقوى التغيير الديموقراطي في مصر وفي القلب منها اليسار تحتاج لمشروع متفق عليه للتغيير الشامل ، لتغيير أوضاع الاستبداد السياسي وأوضاع التبعية ، وتغيير السياسات الاقتصادية التي يطبقها الحكم القائم تنفيذا لشروط وتوجهات وخطط صندوق النقد الدولي ، والتي أفرزت أوضاع البطالة والإفقار والفساد .

ثالثاً : الوضع في مصر

سياسات التبعية تفاقم من أوضاع الأزمة الاقتصادية والبطالة والفساد :

وفي مصر واصلت الأزمة الشاملة تفاقمها ، نتيجة للتفاعل بين الهجوم الخارجي وسياسات الحكم في الداخل ، ونتيجة لاستمرار انتهاج الحكم لسياسات التبعية والاعتماد على الخارج ، عن طريق سياسات الاستدانة والاستيراد والخصخصة وبيع الشركات والمؤسسات العامة للطبقة الرأسمالية الجديدة من أفراد القطاع الخاص مصريين وأجانب وعناصر من البيروقراطية الحكومية ، وتعويم العملة الوطنية وربطها بالدولار الأمريكي .

فقد تفاقمت معدلات البطالة ومعدلات التضخم وارتفاع الأسعار ، وارتفع العجز في الميزان التجاري وتدهورت قيمة الجنيه المصري وانتشر الفساد وتراجعت معدلات النمو الحقيقي ومعدلات الاستثمار ، وتزايد الدين المحلى والدين العام ، وتفجرت أزمة أموال التأمينات الاجتماعية والمعاشات بعد الإعلان عن نية الحكومة مبادلة أموال التأمينات ببعض الأصول الإنتاجية .

وبات من الواضح أن سلطة التحالف الطبقي الرأسمالي الحاكم في مصر تصر على الاستمرار في تطبيق سياسات الخصخصة واستكمال بيع شركات القطاع العام ، وهو اتجاه يعبر عن انحياز أيديولوجي للقبول بسياسات التبعية لتيار الرأسمالية الليبرالية الجديدة الذي فاقمت نصائحه وأوامره من أوضاع الفقر في العالم وتسببت في زيادة أعداد العاطلين عن العمل وأعداد العاملين في مهن هامشية ، وتسببت في انهيار الاقتصاديات المحلية والعملات الوطنية لكل الدول التي طبقت تلك السياسات في الجنوب .

• الكارثة الاقتصادية والاجتماعـية :

ولا تملك السلطة الحاكمة في مصر أية خطة حقيقية لمواجهة هذه الأوضاع ؛ بل تخضع لها وتستفيد طبقياً منها ، لذلك تلجأ إلى سياسة نشر الأوهام ونشر الأكاذيب وتزييف الأرقام ، فبينما وعدت الحكومة المصرية على لسان رئيس وزرائها في 29 ديسمبر 2002 جماهير الشعب المصري بالرخاء القادم في عام 2003 مبشرة بتحقيق معدل نمو في الناتج المحلي الإجمالي يبلغ 5% جاءت النتائج الفعلية مخيبة للآمال مكذبة لسياسة نشر الأوهام ، فلم يزد الناتج الحقيقي عن 2,8%عام 2003 الموعود ، ولم يزد عن 2%عام 2002 .

وعانت العملة الوطنية المصرية بعد تعـويمها من انهيار شامل ،كتعبير عن استمرار سياسات الأزمة والتبعية التي تنفذها سلطة التحالف الطبقي الحاكم ، فقد انخفض سعر صرف الجنية المصري من 0,29 دولار أمريكي عام 1999 إلي 0,16 دولار طبقا للأسعار الرسمية ونحو 0,14 دولار في السوق السوداء في نهاية عام 2003 .

ويؤدي هذا الانهيار في قيمة العملة الوطنية إلي كوارث اقتصادية واجتماعـية ، حيث يؤدي إلي تراجع القيمة الفعـلية لمدخرات الطبقات الكادحة والوسطي التي بلغ حجمها في منتصف عام 2003 نحو 180 مليار جنيه ، وهذا الحجم يشكل نحو 67% من إجمالي الودائع بالعملة المحلية في الجهاز المصرفي المصري ، ومعنى هذا أن واقع انهيار قيمة الجنيه المصري يقود إلى إفقار الفئات التي تدخر بالعملة المحلية وثراء الفئات التي تدخر بالعملات الأجنبية، وهنا يظهر الانحياز الطبقي لسياسات تعويم الجنيه المصري وربطه بالدولار ، فهي ليست مجرد سياسة خاطئة بل سياسة طبقية تؤدي إلى إعادة توزيع الثروة لصالح فئات التحالف الطبقي الرأسمالي الحاكم ، وتؤدي إلى إفقار الطبقات الشعبية من العمال والفلاحين وصغار الموظفين والمنتجين .

وتؤدي سياسات الأزمة والتبعـية إلى وجود عجز دائم في الميزان التجاري يبلغ نحو 8,6 مليار دولار ، وتؤدي الزيادة المستمرة في عجز الموازنة العامة للدولة إلى تزايد الدين المحلي العام ، فقد ارتفع ذلك الدين من 245,5 مليار جنيه عام 1999/2000 إلى 370,6 مليار جنيه عام 2002/2003 ، أي أن الدين المحلي الإجمالي قد ارتفع كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 72,2% عام 1999/2000 إلى أن وصل إلى نسبة 90,6% عام 2002/2003، وهي نسبة خطرة على أي اقتصاد لأن نسبة الأمان للدين المحلي العام لا يجب أن تزيد عن 60% من الناتج المحلي الإجمالي .

كما أدت سياسات الإسراف في جلب القروض الأجنبية إلى عودة أحجام الديون الخارجية إلى التزايد والارتفاع ، فقد ارتفعت من 26,6 مليار دولار عام 2000/2001 إلى 29,2 مليار دولار في نهاية سبتمبر من عام 2003، مع العلم أن هذه الديون الخارجية تستهلك لخدمتها حوالي 11,7% من حصيلة صادرات السلع والخدمات .

والكارثة أن السلطة لم تجد من يمنعها حين توجهت لحل مشاكل عجز الموازنات المالية عن طريق وصفات صندوق النقد الدولي بالخصخصة وبيع الأصول الإنتاجية ، فباعـت حتى نهاية مايو عام 2003 نحو 194 شركة بعائد بيع لم يزد عن 16,6 مليار جنيه ، لا يعرف أحد عن مصير هذه الحصيلة شيئا ، بسبب غياب الشفافية في كيفية تقدير الأصول وكيفية البيع وكيفية التصرف في حصيلة البيع .

ولم تكتف الحكومة بذلك بل مدت يدها أيضا لنهب أموال التأمينات الاجتماعية ، واستولت على حوالي 174 مليار جنيه عن طريق بنك الاستثمار القومي ، على الرغم من علمها أنها أموال خاصة ، فقامت بإفراغ الصناديق من المدخرات وخرجت بخطة المبادلة الخادعة بالأصول ، تلك التي تقوم علي استبدال أموال التأمينات التي صرفتها الحكومة وأصبحت مدينة بها ببعض الأصول من شركات القطاع العام المطروحة للبيع ،والكارثة في الخطة الحكومية أنها تريد استبدال جزء من الدين المحلي العام حددته الحكومة كمرحلة أولي بمبلغ 105 مليارات جنيه ببعض الشركات الرابحة ، فإذا كانت حصيلة بيع 194 شركة قطاع عام لم تزد عن 16,6 مليار جنية ، فأين تلك الأصول الإنتاجية التي يمكن استبدالها بمبلغ 105 مليارات كمرحلة أولي ؟!

وتعاني الزراعة المصرية في ظل هذه السياسات من كارثة حقيقية بعد الضربات التي وجهها التحالف الطبقي الحاكم للفلاحين والعاملين بالزراعة ، فقد قذف تنفيذ السلطة الرأسمالية في مصر للقانون رقم 96 لعام 1992 الخاص (بتحرير) العلاقة بين المالك والمستأجر في الأراضي الزراعية بعدة آلاف من مستأجري الأرض الزراعية خارج عمليات الإنتاج الزراعي ، وأطلق العنان لآليات السوق في الزراعة التي أصبحت عارية تماما من أي حماية تعاونية في مجالات التمويل والتسليف أو التسويق أو توفير مستلزمات الإنتاج ، فوقع الفلاحون بين مطرقة ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج من بذور وأسمدة ومبيدات وسندان اشتعال نار أسعار السلع التي يحتاجها الفلاحون من السوق لمعيشتهم وأسرهم باعتبارهم مواطنين ، الأمر الذي زاد من عمليات الإفقار في الريف حيث ترتفع نسبة من يعيشون تحت خط الفقر في الريف المصري عن 48% من السكان .

وفي نفس الوقت الذي شهد فيه القطاع الزراعي تفاقم مظاهر الفساد ، والذي تمثل بصفة أساسية في نهب مؤسسات التمويل الزراعية لصالح فئة قليلة من كبار المسئولين من المستشارين والمسئولين عن بنك التنمية والائتمان الزراعي ، بعد عزله عن دوره كبنك تعاوني وتحويله إلى بنك استثماري يتاجر في الأجهزة والسلع المعمرة ويحجز على أملاك الفلاحين بعد مخطط إغراقهم في الديون الحقيقية وغير الحقيقية .

وفي ظل هذه السياسات الزراعية تمرد الفلاحون على زراعة المحاصيل التقليدية بسبب الخلل الذي أصاب هذه الزراعات بارتفاع معدلات تكاليف الإنتاج عن معدلات ما تدره المحاصيل التقليدية من عائد نقدي ، وارتفعت معدلات الفقر والعنف والبطالة في الريف المصري ، وتفاقمت هذه الأوضاع بعد الحرب على العراق وعودة الآلاف من العاملين بالخارج في ظل أوضاع الركود الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة في المجتمع المصري بريفه وحضره .

إنها سياسات إعادة توزيع الثروة لصالح قلة طبقية مهيمنة علي الثروة والسلطة في مصر منتجة أوضاع الإفقار والفساد والغلاء والبطالة ، تلك التي تبلغ أكثر من 4,5 مليون عاطل وفقا لتقديرات البنك الدولي .

• الاستبداد السياسي وحكم الطوارئ :

والاستبداد السياسي هو الوجه الأخر لسياسات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي صنعها النظام الحاكم في مصر ، فالاستبداد السياسي والسلطات المطلقة التي يعطيها الدستور المصري لرئيس الجمهورية وحكم الطوارئ وتزوير الانتخابات والتعذيب وإهدار حقوق الإنسان والسيطرة علي النقابات ومحاصرة الأحزاب السياسية في مقراتها وحجب قوي سياسية رئيسية عن الشرعية ، ومنع المجتمع المدني من النهوض المستقل وتكبيل منظماته وجمعياته الأهلية بالقيود الإدارية والأمنية ، وزيادة ترسانة القوانين المقيدة للحريات وتجريم الأساليب والأدوات السلمية للاحتجاج الجماهيري والشعبي ، كلها أدوات سيطرة وتسلط واستبداد في يد التحالف الطبقي الحاكم لحماية سياسات الإفقار وإعادة توزيع الثروة لصالح القلة المهيمنة علي الحكم ، وحماية سياسات الكارثة الاقتصادية وما تفجره من أزمات اجتماعية وسياسية ، أي أدوات سيطرة في يد الدولة البوليسية حماية لمصالح القلة التي تحتكر السلطة والثروة في مصر .

وكما أنتجت سياسات التحالف الطبقي الحاكم أوضاع الكارثة الاقتصادية فإنها أنتجت أوضاع الأزمة السياسية وأوضاع الركود السياسي وغياب الديمقراطية ، إن جوهر الأزمة السياسية الراهنة يتمثل في الاستمرار الطويل لأوضاع الاستبداد والتسلط واحتكار الحكم عن طريق دائرة ضيقة من أفراد النخبة السياسية التي توطنت ونمت وترعـرعـت حول السلطة منذ زمن طويل ، وقامت تلك النخبة الضيقة بمحاصرة المجتمع المدني وغيبت الحريات السياسية وحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية .

وقد أكد التغيير الوزاري الأخير الذي ذهب بحكومة عاطف عبيد وجاء بحكومة أحمد نظيف صحة مواقفنا التي ترتكز على ضرورة تغيير السياسات المنتجة للتبعية والكارثة الاقتصادية والاستبداد السياسي والفساد ، ذلك أن لعبة تغيير الأشخاص بينت حقيقة الانتقال من سيء إلى أسوأ ، ولم يكن ذهاب عبيد ومجيء نظيف أشبه فقط بالشعار القديم مات الملك عاش الملك ؛ بل أكثر من ذلك حمل هذا الذهاب والمجيء معه دلالات كثيرة على مدى الاندفاع في اتجاه التدهور والتردي .

فقد أعلن أحمد نظيف منذ اليوم الأول نية حكومته في القضاء على البقية الباقية من دعم الفقراء ، والإسراع في تنفيذ سياسات الخصخصة وبيع ما تبقى من شركات القطاع العام ، واستقدم الحكم إلى حكومة أحمد نظيف الجديدة عددا من كبار رجال الأعمال ، واستبقى فيها من الوزراء القدامى عتاة المتورطين في استخدام مواقعهم الوزارية في إدارة وتنمية مصالحهم الخاصة ، ولا يقف الأمر في حكومة أحمد نظيف فقط عند أوضاع الانحياز الطبقي لمصالح قلة من كبار الرأسماليين وضد مصالح الأغلبية من الطبقات والفئات الشعبية والمنتجة ؛ بل أكثر من ذلك تمثل حكومة احمد نظيف مرحلة جديدة من الانحياز الصارخ للمصالح الخاصة جداً لحلقة ضيقة جداً من كبار رجال الأعمال ، يمثل الوزراء أنفسهم بعض الأفراد المحظوظين داخل هذه الحلقة .

ولم يتورع الحكم من اختيار بعض الوزراء الجدد ممن يحملون أكثر من جنسية غير الجنسية المصرية ، أو من الوزراء القدامى ممن تدور حولهم أحاديث الفساد ، أو من توفيق أوضاع الخارجين من حكومة نظيف وترضيتهم على حساب أي منطق سياسي سليم ، فيصبح وزير الإعلام السابق صفوت الشريف رئيساً لمجلس الشورى ورئيساً للمجلس الأعلى للصحافة الذي يوافق أو لا يوافق على إصدار الصحف ويحاسبها ورئيساً للجنة الأحزاب ويظل أميناً عاماً للحزب الوطني الحاكم ، ويحضر السيد جمال مبارك نجل الرئيس اجتماعات مجلس الوزراء الجديد ، ويعطي تصريحات سياسية وكأنه رئيس وزراء مصر ، ويخفي رئيس الوزراء الجديد هذا التردي بالأحاديث حول التطوير بالتكنولوجيا والاتصالات .

وتؤكد كل هذه الأوضاع أن مطلب التغيير الحقيقي والشامل مازال ضرورة ملحة ومهمة عاجلة .

• التغيير أو الكارثة :

إن الصورة التي يبدو عليها العالم في مكوناته الدولية والإقليمية والعـربية والمحلية تحتاج إلى تغـيير حاسم وسريع ، تغيير يوقف الانحدار نحو الكارثة الكونية التي تقودنا إليها سياسات الولايات المتحدة الأمريكية وتحالفاتها الدولية والإقليمية .

والصورة التي يبدو عليها عالمنا العـربي تحتاج إلى تغيير حاسم وملح ، تغيير يوقف حالة التردي والركود والتمزق العربي ، ولا شك أن تغيير أوضاع الكارثة الاقتصادية والاجتماعية وأوضاع الأزمة السياسية لا بديل له لإنقاذ مصر من سياسات الإفقار والتبعية والبطالة والتسلط والفساد والاستبداد .

إننا ندعو إلى تغـيير شامل ، تغيير يتجه نحو السياسات التي أنتجت الكوارث والأزمات ، ولا يقف بالتغيير عند بعض الأشخاص لاستبدالهم بآخرين ينتمون سياسيا إلى نفس الخطط والمصالح والتوجهات ، تغيير يتجه نحو النظم الاقتصادية والسياسية وقوانينها الأساسية المنظمة التي تؤدي إلى تزوير الانتخابات النيابية والمحلية وتمنع تداول السلطة وترفض استقلالية النقابات وحرية تشكيل الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية واللجان الشعبية ومنظمات المجتمع المدني .

كما أن دعوتنا للتغيير الشامل هي دعوة لتجميع قوى اليسار وكل القوى الوطنية والديموقراطية للعمل الجبهوي المشترك على طريق التغيير الديموقراطي ، هي دعوة للتواصل مع الحركة العالمية المناهضة للعولمة الرأسمالية الليبرالية الجديدة ، المناهضة للحرب ، المناهضة لعسكرة الولايات المتحدة الأمريكية للعولمة ، على طريق بناء جبهة شعبية عالمية لمواجهة الهجمة الإمبريالية الجديدة .

وهي دعوة للتواصل مع القوى الوطنية والشعبية الديموقراطية في عالمنا العربي ، لتنسيق الجهود العربية على طريق دعم صمود الشعب الفلسطيني أمام هجمات التحالف الأمريكي الصهيوني الجديد ، ومواجهة مخططات التهويد والتصفية ، ومخططات تمزيق الوحدة الوطنية الفلسطينية وإشعال نار الحرب الأهلية بين المنظمات الفلسطينية ، وتنسيق الجهود الشعبية العربية على طريق دعم المقاومة العراقية ضد قوات الاحتلال ، ومواجهة مخططات تشويه المقاومة وحرف عملياتها باتجاه العمليات الإرهابية أو الطائفية أو العرقية، وتنسيق الجهود العربية لمواجهة الضغوط الأمريكية على سوريا ، ودعم اتفاقيات وقف الحرب الأهلية في السودان ومواجهة الاستبداد الداخلي ومخططات التدخل الأمريكي ، وغير ذلك من القضايا العربية التي تحتاج تواصلا وتنسيقا ديموقراطيا جادا على طريق بناء جبهة شعبية عربية لمواجهة الهجمة الإمبريالية والصهيونية ، ولمواجهة أوضاع التمزق العربي وأوضاع انهيار النظام الإقليمي العربي وتخاذل وعجز النظم العربية أمام الهجوم الإمبريالي والصهيوني الجديد .

أما دعوتنا للتغيير الشامل في مصر فهي دعوة للتواصل وتنسيق الجهود والعمل المشترك الديموقراطي بين كافة القوى الوطنية والديموقراطية والشعبية لإنقاذ البلاد من سياسات الكارثة الاقتصادية والفساد والاستبداد السياسي ، على طريق بناء أوسع جبهة وطنية وديموقراطية تضم كافة القوى التي ترى في مطلب التغـيير مهمة ضرورية وملحة ، واليسار في موقع القلب من هذه الجبهة وأداة تفعـيلها وطنيا واجتماعيا وديموقراطيا .

وإذا كانت دعوتنا للتغيير تستهدف تغيير السياسات والنظام الذي قاد البلاد إلى أوضاع الكارثة ولا تقف بها عند حدود تغيير الأشخاص أو استبدالهم في لعـبة الكراسي الموسيقية ؛ فإن شمول هذه الدعوة يتصل بالأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للتغيير ، بضرورة تغيير أوضاع التسلط والاستبداد وسياسات الإفقار والانحياز الطبقي المنتجة للبطالة وارتفاع الأسعار وضعف الأجور وغيرها من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية .

لكن موقفنا السياسي الواضح يرى أن التغيير الديموقراطي والدستوري هو مفتاح دعوتنا للتغيير الشامل ، وهو باب الخروج من مأزق الركود السياسي واحتكار دائرة ضيقة محدودة العدد للحكم ، والخروج من مأزق الحكم الفردي وانغلاق أبواب التداول السلمي للسلطة ، بل انغلاق إمكانية توسيع دوائر النخبة السياسية الحاكمة وتجديدها .

أي أن دعوتنا للتغيير هي في جوهرها دعوة سياسية وجبهوية ، سياسية لأنها تتجه نحو تغيير السياسات والنظم ، وسياسية لأن مفتاحها الأساسي يستهدف الخروج من مأزق الاستبداد السياسي والركود السياسي والأزمة السياسية ، وذلك عن طريق تغيير هذه الأوضاع نحو بناء نظام ديموقراطي حقيقي يقوم على التعددية السياسية وتداول السلطة والانتخابات الحرة للبرلمان والمجالس الشعبية المحلية وكافة الهيئات التنفيذية والمسئولين التنفيذيين ، وانتخاب رئيس الجمهورية ونائبة من بين أكثر من مرشح ، ورفض التوريث الذي تظهر بوادره يوماً بعد يوم ، وجبهوية لأن وسيلة تحقيق هذا التغيير وأداته السياسية تتمثل في حشد كافة الجهود في أشكال متنوعة من أعمال التنسيق والعمل المشترك والعلاقات الديموقراطية على طريق بناء أوسع جبهة للقوى الوطنية والديموقراطية والنقابية والشعبية التي ترى في دعوتنا ودعوة اليسار للتغيير ضرورة لإنقاذ مصر .

رابعاً : قضايا ومهام وأولويات النضال من اجل التغيير :

وانطلاقاً مما تقدم ، من رصد وتحليل لأهم عناصر الوضع الراهن بأبعاده الدولية والعربية والمحلية يبقى السؤال الأهم بالنسبة لنا هو :

ما العمل ؟

ما هي القضايا الأساسية التي يطرحها علينا الوضع الراهن ؟ ما هي السمات الأساسية لهذه المرحلة النضالية الجديدة ؟ وما هي المهام الملحة التي يتحتم عـلينا القيام بها ؟ وما هي أولويات النضال من أجل التغـيير في هذه المرحلة المصيرية من تاريخنا وتاريخ المنطقة والعالم ؟

إننا نؤكد على ما يلي :

أولاً : إن الهجوم الإمبريالي بقيادة التحالف الأمريكي- الصهيوني للسيطرة على العالم وفي القلب منه منطقتنا العربية هو الحدث الرئيسي في الوضع الراهن ، وهو محور الصراع الإقليمي والدولي الدائر في هذه المرحلة ، لذلك فإن مهمات التحرر الوطني بالمفهوم الواسع للكلمة وبما تتضمنه من صد للعدوان ، ومقاومة لكل صور التدخل الاستعماري والاحتلال العسكري ، والنضال من أجل التحرير والاستقلال الوطني، تتقدم من جديد لتأخذ مكانها في قلب مهمات النضال من أجل التغيير الشامل الذي تسعى إليه شعوبنا العربية وطلائعها السياسية .

ثانيـاً : لكن مهمات التحرر الوطني التي تتسع لمقاومة كل صور التدخل الاستعماري والاحتلال العسكري والسيطرة الاقتصادية والهيمنة السياسية في عصر العولمة الرأسمالية لم تعد مجرد مهام وطنية تقوم بها طلائع المقاومة الوطنية والقطرية وحدها ؛ بل تساندها وتدعمها وتشترك معها طلائع الحركة العالمية المناهضة لتوحش العولمة وعسكرتها ، والمناهضة للحروب العدوانية ، لذلك فإن مهمات التحرر الوطني في المرحلة الراهنة تمددت واتسعت لتصبح جزءا لا يتجزأ من الصراع العالمي الدائر بين الدول والطبقات المتزعمة لعولمة رأس المال بزعامة الإمبريالية الأمريكية والقوى الشعبية العالمية المتزعمة للعولمة البديلة المناهضة للتوحش الرأسمالي والعسكرة والحرب والعدوان .

ثالثـاً : كما لم تعد مهمات التحرر الوطني في هذه المرحلة مجرد مهام عسكرية موكولة للجيوش الوطنية للدفاع عن الحدود الخارجية للأوطان ، فقد تداخلت مهام التحرر الوطني مع مهام التحرر الاجتماعي وانتزاع الحقوق والحريات السياسية والديموقراطية ، بعـد أن أكدت أنظمة الحكم البرجوازية في عالمنا العـربي عجزها عن حماية الاستقلال السياسي لبلادنا ، وأكدت وضعها كأنظمة تابعة للرأسمالية العالمية وللإمبريالية الأمريكية ، وأكدت افتقادها للحد الأدنى من الإرادة السياسية المطلوبة لصد العدوان ، أو الصمود أمام المخططات الإمبريالية والصهيونية للسيطرة على بلادنا ، وأكدت على عـدائها للحقوق والحريات السياسية للطبقات والفئات الشعبية .

رابعـاً : من كل ذلك نجد أن التناقض الرئيسي في المرحلة الراهنة هو التناقض بين التحالف الإمبريالي الجديد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية وشعوب العالم ، ويتجسد هذا التناقض الرئيسي في منطقتنا كتناقض بين التحالف الإمبريالي الصهيوني وحلفائه من أنظمة الحكم التابعة والحكومات العميلة من جهة ، وشعبنا في مصر وشعوبنا العربية وطلائعها وأحزابها الوطنية والديموقراطية من جهة أخرى .

خامساً : لذلك فإن مهام التغيير الديموقراطي والتحرر السياسي من الاستبداد والقهر كنظم وسياسات تتداخل مع مهام التحرر الوطني من السيطرة الاستعمارية الاقتصادية والسياسية والعسكرية ، انطلاقاً من الوعي بالتناقض الرئيسي بين الشعوب والإمبريالية ، والوعي بالتحالف بين أنظمة الحكم البرجوازية والإمبريالية العالمية ، والوعي بان مهمات التحرر السياسي من الاستبداد والقهر هي مهمات تحرير الإرادة وتحرير الطاقات النضالية للقوى الشعبية ومنظماتها السياسية من أجل التحرر الوطني ، فضلاً عن كون الحقوق والحريات السياسية حقوقاً شعـبية أصيلة تتساوى مع – إن لم تتقدم – عـلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعـية والوطنية .

سادسا : إن التداخل والتشابك بين مهام التحرر الوطني كمهام للنضال يتوجه نصلها ضد الإمبريالية بصفة أساسية ومهام التحرر السياسي والاجتماعي كمهام للنضال يتوجه نصلها أساساً ضد أنظمة الاستبداد والقهر الاجتماعي في بلادنا ، وقد أصبحت سمة أساسية من سمات النضال الوطني من اجل التغـيير الشامل ، تحتم عـلينا وضع أولويات النضال الوطني كالتالي:

1- التنسيق والعمل المشترك مع أوسع القوى الوطنية والشعـبية والنقابية من أجل التغـيير الديموقراطي السياسي والدستوري كأولوية نضالية على طريق التغـيير الشامل ، وتتطلب هذه الأولوية النضالية التركيز على ما يلي :

• النضال من أجل إلغاء حالة الطوارئ وكافة القوانين والإجراءات الاستثنائية والمقيدة للحريات .

• النضال من اجل إلغاء نظام الاستفتاء كطريقة لاختيار رئيس الجمهورية ، وإقامة نظام ديموقراطي جديد يقوم على مبدأ انتخاب رئيس الجمهورية ونائبه من بين أكثر من مرشح ، وألا تزيد مدة شغلهما لمنصبيهما عن دورتين متتاليتين ، مع تقليص صلاحيات الرئيس الموجودة في الدستور الحالي .

• الإشراف الكامل للقضاء عـلى الانتخابات العـامة ، وتشكيل هيئة قضائية مستقلة للانتخابات تكون غـير قابلة للعـزل وذات صلاحيات دستورية واسعة ، بداية من الإشراف على جداول الناخبين وانتهاء بالفرز وإعلان النتائج ، ووضع القواعد والإجراءات المانعـة للتزوير ، مع تغـليظ عـقوبة تزوير الانتخابات وعدم سقوطها بالتقادم .

• تأكيد سلطة البرلمان كسلطة تشريع ورقابة على السلطة التنفيذية ، وتأكـيد دولة القانون واستقلال مؤسسة القضاء في إطار مبدأ الفصل بين السلطات .

• النضال من اجل استقلال الحركة النقابية العمالية والمهنية وحرية تشكيل النقابات ، واحترام المواثيق والاتفاقيات الدولية في هذا الشأن ، مع ضرورة تأكيد الشخصية الاعـتبارية للجان النقابية المصنعـية ، وضرورة رفع القيود الإدارية والقانونية التي تمنع حرية تشكيل الجمعـيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني واستقلالية نشاطها .

• تأكيد حق كل القوى في تكوين أحزابها السياسية وجمعـياتها الثقافية والعـلمية ، وحق إبداء الرأي بالقول والنشر وإصدار الصحف وأدوات الإعـلام المختلفة .

• النضال مع الطبقة العاملة والجماهير الشعبية من اجل تأكيد حق الإضراب والتظاهر والاعـتصام والاجتماع وغـير ذلك من أدوات ووسائل الاحتجاج السلمي الديموقراطي .

• تأكيد سلطة المجالس الشعبية المحلية المنتخبة وتوسيع دورها الرقابي عـلى الإدارات والأجهزة التنفيذية ، وانتخاب المحافظين ورؤساء المدن والقرى والعـمد .

• استقلال القضاء واحترام أحكام الهيئات القضائية والمحاكم وضرورة تنفيذها .

2- النضال من اجل تغـيير أوضاع الكارثة الاقتصادية والاجتماعـية وما أنتجته من بطالة وفساد وارتفاع أسعار ، مع ضرورة التركيز على الأولويات التالية :

• النضال من اجل وقف سياسات الخصخصة ووقف بيع ما تبقى من شركات القطاع العـام ، والتصدي لمخططات بيع البنوك الرئيسية وشركات التأمين.

• النضال من أجل تغـيير سياسات التنمية التابعة بما أنتجته من كوارث ، والدعوة إلى سياسات تنمية جديدة معـتمدة أساساً على الذات وتستهدف تلبية الحاجات الأساسية للجماهير الشعبية وجماهير المنتجين .

• تأكيد انحيازنا الفكري والسياسي لمصالح الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين وجماهير المنتجين في الريف والمدينة ودعمنا لنضالهم الاقتصادي والمطلبي والسياسي .

• النضال مع الطبقة العاملة وجماهير الكادحين والعاملين في الدولة والقطاع الخاص من اجل ربط الأجور بالأسعار لمواجهة موجات الغلاء الحادة الناجمة عن تطبيق سياسات التبعية والإفقار والأزمة .

• النضال من أجل تطوير الريف المصري ومواجهة الفجوة الغذائية عن طريق دعم الفلاح المصري الذي يزرع المحاصيل التقليدية وخاصة القمح ، ووضع خطة وطنية تستهدف الاكتفاء الذاتي لمصر بالتوسع الراسي والأفقي في زراعة محاصيل القمح والذرة والحبوب .

• النضال مع الفلاحين المصريين والتعاونيين من أجل إنشاء بنك تعاوني لمواجهة مشاكل التمويل والتسويق وتوفير مستلزمات الإنتاج من بذور وأسمدة ومبيدات بأسعار مدعومة ، خاصة بعد أن تم تخريب الجمعيات التعاونية الزراعية ، وبعد أن تخلى بنك التنمية والائتمان الزراعي عن أي دور تعاوني .

• التصدي لمخاطر إهدار الحكومة لأموال التأمينات الاجتماعية والمعاشات ، واتخاذ الإجراءات القانونية للحفاظ على هذه الأموال .

• التأكيد على مسئولية الحكومة في حل مشكلة البطالة وتوفير فرص العمل، وتكوين روابط للعاطلين ، والمطالبة بنظام جديد لإعانة الدولة للعاطلين حتى يلتحقوا بالعمل .

• الحفاظ على ما تبقى من مجانية التعليم ، مع ضرورة تطويره في جوانبه وعناصره المختلفة ليلاحق مجتمع المعرفة والتطورات المتسارعـة التي أنتجتها ثورات العلم والتكنولوجيا ، وبما يؤكد على قيم الانتماء والمواطنة ، وقيم العقلانية والوحدة الوطنية وحرية الفكر والبحث العلمي والإبداع .

• تطوير الخدمات الصحية والعلاجية وبصفة خاصة النضال من اجل عودة العلاج المجاني وتطوير المستشفيات العامة وتطوير نظام التأمين الصحي وتوسيع شبكته لتشمل كافة المواطنين في الريف والمدينة .

3- التصدي للهجمة الإمبريالية- الصهيونية للسيطرة على المنطقة ، مع ضرورة التركيز على المهام الملحة التالية :

• التنسيق مع القوى الوطنية والأحزاب السياسية العربية والعراقية من أجل مواجهة الاحتلال الأنجلو أمريكي للعراق بكافة الطرق والوسائل ، بما في ذلك الكفاح المسلح ضد قوات الاحتلال ، والحفاظ على وحدة التراب العـراقي، مع التاكيد على رفض انحراف المقاومة العراقية باتجاه العمليات الإرهابية والطائفية ، وكشف الدور الصهيوني في العراق .

• دعم صمود الشعب الفلسطيني ضد الإرهاب الصهيوني المتصاعد ، وضد محاولات التحالف الإمبريالي الصهيوني لتصفية القضية الفلسطينية ، والتنسيق مع القوى الوطنية والشعبية الفلسطينية من اجل تأكيد الوحدة الوطنية للشعب الفلسطيني وقواه الوطنية ، وتدعيم البناء الديموقراطي للسلطة الوطنية بما يدعم النضال المشترك ضد العدو الصهيوني ويمنع اندلاع الصراع بين فصائل المقاومة الفلسطينية ، والتأكيد على الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وعلى رأسها حقه في النضال من اجل تحرير أرضه وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس وحق اللاجئين في العودة .

• طرد السفير الإسرائيلي من القاهرة ، ورفض التطبيع مع العدو الصهيوني بكافة صوره وأشكاله .

• التنسيق مع القوى الوطنية والشعبية العربية لمواجهة التهديدات الأمريكية والبريطانية للتدخل في سوريا والسودان ، أو في أي قطر عربي آخر ، مع التأكيد على مسئولية النظم الحاكمة العـربية في قهر شعوبها وعزلها عن المشاركة في إدارة شئون البلاد ، الأمر الذي ترك البلاد مطمعاً للقوى الاستعمارية وأكد عجز هذه الأنظمة عن حماية الاستقلال الوطني .

• إنهاء الوجود العسكري الأمريكي والبريطاني في المنطقة العربية ، ووقف التدريبات والمناورات المشتركة ورفض وجود قواعد عسكرية أمريكية أو أجنبية في أي بلد عربي .

• النضال من اجل جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل .

• التعاون والتنسيق مع الأحزاب الوطنية والقوى الديموقراطية السودانية لمواجهة التهديدات الإمبريالية بالتدخل في السودان ، مع التأكيد على ضرورة المعالجة الشعبية والديموقراطية لاحتمالات عودة الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب إلى الانفجار ، وضرورة معالجة الأوضاع المتردية في إقليم دارفور على طريق بناء سودان ديموقراطي موحد ، ينعم فيه كل أبناء الشعب السوداني بالديموقراطية والعدالة والمساواة ، بغض النظر عن الاختلاف في الأصول العرقية أو التوجهات الفكرية أو المعتقدات الدينية .

• التأكيد على أن ما تقدم من أولويات نضالية في التصدي للهجمة الإمبريالية الصهيونية في كل من العراق وفلسطين ، ورفضنا للتهديدات الأمريكية والبريطانية بالتدخل في سوريا والسودان ، لا تنطلق فقط عن إيمان بالتضامن الأممي أو القومي كماركسيين أو كاشتراكيين علميين ؛ بل أيضاً كمصريين يرون أن الأمن القومي لمصر في خطر ، وان هذه الهجمات الإمبريالية والتهديدات الاستعمارية بالتدخل ليست موجهة فقط لهذا القطر أو ذاك بل موجهة لكامل منطقتنا العربية وفي القلب منها مصر.

وأخيراً 00

فإننا نؤكد على أن المواجهة الفعالة للهجمة الإمبريالية- الصهيونية كمحور أساسي لمهمات التحرر الوطني الراهنة تنطوي على مهمات نضالية وأولويات ثلاثية الأبعاد ، هي أولويات التغـيير الديموقراطي والتصدي للاستبداد السياسي ، وأولويات التغـيير الاقتصادي والاجتماعي والتصدي لسياسات الكارثة الاقتصادية والاجتماعية ، وأولويات النضال الوطني والتصدي لأوضاع الاحتلال العسكري ومخططات التدخل الاستعماري الأمريكي الجديد .

كما نؤكد على تشابك هذه المهام وتداخلها في عصرنا الراهن ، بما يحتاجه هذا التشابك والتداخل من وعي ، وبما تحتاجه عمليات التقدم في هذه المهمات من نضال صعـب وطويل المدى ، ومن تضافر القوى والجهود الوطنية ، وبما تحتاجه من ضرورة العـمل من أجل بناء أوسع جبهة للقوى الوطنية والديموقراطية عـلى طريق التغـيير الشامل .

 

الاجتماع الموسع للجنة المركزية

للحزب الشيوعى المصرى

 

أغسطس 2004

About Communist Party of Egypt

الحزب الشيوعى المصرى Communist Party of Egypt
هذا المنشور نشر في غير مصنف وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.