الموقف السياسى – الحزب الشيوعى المصرى

إن العالم اليوم بات أكثر خطورة مما كان عليه قبل احتلال العراق . واصبح واضحا ان حرب أمريكا ضد ما تسميه الإرهاب تتحول تدريجيا إلى عقيدة سياسية أمريكية وأيدلوجية للنخبة الحاكمة فى الولايات المتحدة .

إن هجمات الحادى عشر من سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن أدخلت العالم فى عصر مختلف . ومنذ ذلك التاريخ اعتبرت الإدارة الأمريكية – التى سيطر على مراكز صنع القرار فيها ممثلى اليمين المحافظ وذى النزعة العنصرية الصهيونية – نفسها فى حالة حرب لا توجد أية آفاق لنهايتها . وتم استبدال مفاهيم كانت حتى وقت قريب تمثل الأساس فى العلاقات الدولية مثل الشرعية الدولية والقانون الدولى وحل النزاعات بين الدول بالطرق السلمية ، وحق الشعوب فى مقاومة الاحتلال لتحل محلها مفاهيم جديدة تفرضها الولايات المتحدة لتؤكد هيمنتها وسيادتها كقطب وحيد على العالم كله .. وبدلا من سياسة الاحتواء والحصار الاقتصادى والردع والتهديد باستخدام القوة وتشكيل التحالفات الدولية الواسعة تحت غطاء الشرعية الدولية تلك السياسات التى كانت تستخدمها الولايات المتحدة لتحقيق استراتيجيتها فى الهيمنة فى المرحلة السابقة كما حدث فى حرب الخليج الثانية عام 1990 تجدها اليوم تطبق استراتيجيتها العسكرية العدوانية الجديدة مستخدمة أحداث 11 سبتمبر – والتى أدانها حزبنا فى حينها – كذريعة للتغطية على أهدافها الحقيقية الاستعمارية وفى القلب منها تحقيق السيطرة على منابع النفط ومصادر الطاقة لتأكيد استمرار انفرادها بمقدرات العالم

ومن تداعيات أحداث سبتمبر مرورا باحتلال أفغانستان وانتهاء باحتلال العراق تبرز مجموعة من المتغيرات التى طرأت على الساحة الدولية وهى متغيرات نوعية تثير إشكاليات جديدة بعضها يولد تناقضات جديدة والبعض الآخر منها لم تكتمل ملامحه بعد أو لازالت فى طور التبلور . ومن أهم هذه المتغيرات

أولا : – الاتجاه المتزايد لعسكرة العولمة

فى 13 ديسمبر 2001 أعلنت الإدارة الأمريكية قرار انسحابها من معاهدة النظم المضادة للصواريخ الباليستية ABM الموقعة عام 1972 مما يفتح المجال أمام واشنطن للمضى فى إقامة ما تسميه منظومة ” الدرع الواقى للصواريخ ” والذى أجرت عليه تطوير منذ الثمانينات وهذا ما يعنى انتقال العسكرة إلى الفضاء الخارجى مما يشكل خطورة على استقرار العالم … وعلى عكس ما تقول به واشنطن من أن الغرض من إقامة الدرع الواقى هو الطابع الدفاعى . فالحقيقة أن معنى أن تمتلك واشنطن الإمكانية لتوجيه ضربات صاروخية وتفادى تلقى الضربة المضادة يقوى من احتمالات استخدام السلاح النووى والصواريخ الباليستية فى أى نزاع ويصبح الهدف من هذا البرنامج هجوميا وليس دفاعيا كما تدعى واشنطن ، ولم تلقى تلك الخطوة الخطيرة معارضة حقيقية فى ضوء تداعيات سبتمبر

ثم أعقبتها الإدارة الأمريكية بخطوة أخرى وهى إقرار استراتيجية عسكرية جديدة تعرف بـ ” استراتيجية الأمن القومى الأمريكى ” وتم التصديق عليها مؤخرا من قبل ” جورج بوش ” وجوهر هذه الاستراتيجية فى تحليلها يعنى

1) إن الأسلحة النووية باتت تمثل الخيار الأول وليس الأخير

2) الضربات الإستباقية هى هدف ضد دول من المحتمل أن تشكل تهديدا لأمن الولايات المتحدة

3) منع نشوء قوة دولة منافسة ” صديقة أو معادية ” يعد هدفا استراتيجيا

4) تغيير هيكل القوة العسكرية للولايات المتحدة لتصبح قادرة على الدخول فى أكثر من حربين فى وقت واحد

5) تجاهل القانون الدولى والالتزامات التى تحد من قدرة الولايات المتحدة على التحرك بأسلوب حاسم

وفى واقع الأمر أن تلك المفاهيم الاستراتيجية قد ظهرت فى أوراق عمل فى مطلع التسعينات ، وأيضا قبل عامين من أحداث سبتمبر إلا أن بعض ما تم تسريبه إلى الصحف قوبل وقتها بانتقادات شديدة … إلا أن أحداث سبتمبر أعطت ذريعة قوية لإدارة بوش لإقرار تلك الاستراتيجية والتى تعد الأكثر إفراطا فى عدوانيتها

وإذا أضفنا الاتجاه المتزايد إلى عسكرة الاتحاد الأوربى بموافقته على إنشاء قوة التدخل السريع الأوربية . ولذا فإننا ننظر إلى تزايد الاتجاه لعسكرة العالم باعتباره محاولة تهدف إلى التطبيق القسرى لشروط العولمة بما تحمله من تحكم وسيطرة اقتصادية وسياسية وسيادة نمط ثقافى محدد وإقصاء ثقافات بل وقوميات أخرى

ثانيا : – تراجع وتهميش دور الأمم المتحدة

الهيئة الدولية مهددة الآن بفقدان مصداقيتها كمرجعية لحل النزاعات فمنذ أن أعطت الولايات المتحدة الحق لنفسها أن تشكل تحالف دولى خارج إطار الأمم المتحدة وشنت حرب على أفغانستان استخدمت فيها احدث ما أنتجته ترسانة السلاح الأمريكى مما يشكل سابقة أو نموذج يمكن أن تعيد تكراره وتمارسه أكثر من دولة على غرار الفعل الأمريكى ..

ويبقى انه فى إطار الخلل الحادث فى ميزان القوى العالمى يصبح التمسك بدور الأمم المتحدة وإعادة الاعتبار للهيئة الدولية مطلبا حيويا ليحد من جماح التوجه الجديد للإدارة اليمينية الأمريكية ورغم التصميم الواضح للولايات المتحدة على شن الحرب على العراق والإطاحة بنظام صدام .. إلا أنها عجزت على أن تحصل على غطاء من قبل الأمم المتحدة ورغم الضغوطات الشديدة التى مارستها الإدارة الأمريكية على دول ذات سيادة وأعضاء فى مجلس الأمن مما نراه يشكل بداية لحالة استقطاب عالمى جديد

وبالرغم مما يبدو على السطح من تجاهل الإدارة الأمريكية للأمم المتحدة وتهميشها إلا انه ستظل هذه الإدارة فى أشد الاحتياج إلى غطاء شرعى يبرر احتلالها وبقائها كقوى استعمارية فى العراق وهو ما يفسر إصرارها على صدور القرار الأخير من مجلس الأمن لرفع العقوبات على العراق .

إن وضع الإدارة اليمنية الأمريكية فى موقف صعب بل وحتى متناقض أمام جمهور الناخبين الأمريكيين فمن ناحية هى تحرص على أن تقدم أمريكا باعتبارها صاحبة رسالة ودور تاريخى ( حسب زعمهم ) لإرساء دعائم القانون الدولى .. وهاهى ذات الإدارة تضبط متلبسة على أرضية الواقع العملى وهى تنتهك وتضرب عرض الحائط بكل مواثيق الشرعية الدولية

ثالثا : – عودة ظاهرة الاستعمار القديم

عاد شكل الاحتلال العسكرى المباشر وظاهرة الاستعمار بعد أن اختفى منذ ما يزيد على نصف قرن فاحتلال أفغانستان يندرج فى هذا الإطار وبناء القواعد العسكرية الدائمة فى آسيا الوسطى وأفريقيا و التهديد بإزاحة نظم حكم بكاملها كحالة العراق أو استبدال رئيس السلطة الفلسطينية ( عرفات ) . ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادى للحروب الاستعمارية الجديدة . فمثلما هو واضح أنه بجانب أسباب عدة لاحتلال أفغانستان لكن يبق أن هدف السيطرة على بترول بحر قزوين لا يمكن تجاهله ويمكن أيضا أن نشير إلى المخطط الأمريكى فى هذه المنطقة ( آسيا الوسطى ) الذى يعمل على تفكيك وإجهاض محاولات تكوين محور رباعى يضم كلا من ( روسيا والصين والهند وإيران ) . والهدف من الاحتلال الأنجلوأمريكى للعراق هو السيطرة على بترول العراق والخليج والتحكم فى مصادر الطاقة العالمية

وتفضح دراسات معنية بالطاقة – ومعدلات الاستهلاك – الدوافع الحقيقية للولايات المتحدة لاحتلال العراق – فوفق ما جاء بدراسة أعدها ” مكتب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ETA وكذلك إحصائيات شركة البترول البريطانية – BP –فوفق تقديرات الدراسات المشار إليها – من المتوقع أن يزداد استيراد الولايات المتحدة من نفط الشرق الأوسط من 44.6% عام 97 إلى 58 % عام 2020 وان الدول العربية تسيطر على 62 % من احتياطات النفط العالمية – وتساهم الدول العربية ب30 % من الإنتاج العالمى .

والعراق بمفرده لديه 11 %من الاحتياطات العالمية وتقدر ب112 مليار برميل وهو يعد ثانى أكبر احتياطى فى العالم بعد السعودية – وتأتى الإمارات العربية فى المرتبة الثالثة . وتقدر الدراسات المشار إليها – أن الطاقة العالمية لإنتاج النفط سوف ترتفع من 77 مليون برميل إلى 112 مليون برميل يوميا عام 2020 ونفط منظمة “أوبك” المصدر للعالم سوف يرتفع من 40 % عام 97 إلى 50 % عام 2020 0

ولكن الأهم هنا – أنه فى داخل “أوبك” توجد 6 دول فقط لديها القدرة على تنمية طاقتها الإنتاجية من 22 مليون برميل يوميا عام 97 – إلى 47 مليون برميل يوميا عام 2020 والدول الست – هى – ” السعودية – الإمارات – الكويت – العراق – إيران – فنزويلا ” إذ سيكون بمقدور هذه الدول الست الوفاء بنحو 42 % من احتياجات العالم النفطية – فى حين أن الطاقة الإنتاجية خارج منظمة “أوبك” سوف ترتفع من 44 مليون برميل يوميا عام 97 – إلى نحو 56 مليون برميل عام 2020 ، وبذلك يتضح لنا أن درجة التركيز فى إنتاج النفط ستكون فى منظمة “أوبك” والتى سوف تسد احتياجات العالم بنسبة 50 % عام 2020 كما ذكرنا – ولكن يبقى الأهم أن الإنتاج سيتركز فى 6 دول فقط من “أوبك” ونلاحظ أن 5 دول من الست تقع فى منطقة الخليج وسيكون نصيبها 88 % من إنتاج “أوبك” الكلى .

مما سيجعل منها عصب تحديد العرض العالمى وبالتالى التحكم فى أسعار النفط العالمية – خاصة مع توقع زيادة فى الطلب العالمى من 71,5 مليون برميل يوميا عام 97 إلى نحو 110 مليون برميل عام 2020 .

وهذا ما يكشف لنا بوضوح مغذى ربط الصراع الدائر حول العراق بالطاقة أو البترول ( وحتى يفسر لنا سر التدخل الأمريكى فى فنزويلا ومحاولة تفويض حكم ” شافيز ” اليسارى فنزويلا ضمن الدول الست التى ذكرناها – وهى أيضا تملك 7 % من الاحتياطات النفطية العالمية ) .

رابعا :- تآكل مفهوم سيادة الدولة

نتيجة لعودة ظاهرة الاستعمار والاتجاه المتزايد لعسكرة العولمة الرأسمالية المتوحشة تم الهجوم الإمبريالى على مفهوم سيادة الدولة الذى ترسخ فى الفترة الماضية واتسعت المساحة التى يتم من خلالها العدوان على هذه السيادة تحت مبررات محاربة الإرهاب ونشر الديمقراطية وحقوق الإنسان والبحث عن أسلحة الدمار الشامل وقضايا البيئة وغيرها ..

والعدوان يتم من خلال فرض العقوبات والحصار الاقتصادى والسياسى والعدوان العسكرى المباشر وفرض مناهج تعليمية ورؤية ثقافية على العديد من بلدان المنطقة العربية

خامسا :- تزايد الاتجاهات العنصرية والهجوم على حريات المواطنين

بعد أحداث سبتمبر زادت الاتجاهات العنصرية وزاد العداء للأجانب فى الدول الرأسمالية المتقدمة وخاصة للعرب والمسلمين بحجة مكافحة الإرهاب ويتم تصنيف الناس على أساس دينى ومهاجمة الأبرياء لمجرد أن ملامحهم شرق أوسطية ، مما يكشف عن الوجه الآخر للنظام الرأسمالى ورفضه فكرة التعايش مع الثقافات الأخرى فى ظل العولمة المتوحشة

ومن جانب آخر تم استغلال أحداث سبتمبر كذريعة لسن عدد من القوانين الاستثنائية المعادية للحريات ( التصنت على التليفونات – مراقبة حركة الودائع – توسيع نطاق الاشتباه – محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية – اعتقال المواطنين فترات طويلة بدون محاكمة ) ووصل الأمر إلى حد إنشاء وزارة جديدة للأمن الداخلى بالولايات المتحدة يشغلها 170 ألف موظف . ويتكشف الوجه القبيح للإدارة الأمريكية بشكل جلى من خلال استخدام قوات المارينز للتعذيب للحصول على اعترافات من المعتقلين فى جزيرة جوانتنامو وما يحدث فى العراق الآن من اعتقالات واغتيالات وتعذيب للمواطنين العراقيين دون أى محاكمات وهذا كله خلق تناقضا بين الادعاء بنشر وتعميم الحريات والديمقراطية كما تدعى الإدارة الأمريكية وما تمارسه فعلا

الاحتلال الأنجلوأمريكى للعراق

أدت الحرب على العراق إلى بروز ظاهرتين هامتين جديرتين بالدراسة على النطاق العالمى . الظاهرة الأولى هى حدوث شرخ كبير فى التحالف الرأسمالى العالمى أو ما يطلق عليه ” مجموعة الثمانية ” حيث تقف الولايات المتحدة وبريطانيا فى جانب بينما تقف فرنسا وروسيا وألمانيا فى جانب آخر . والظاهرة الثانية هى تصاعد دور الحركة الشعبية العالمية المناهضة للحرب والهيمنة الأمريكية والعولمة الرأسمالية المتوحشة

* ففى الفترة التى سبقت الحرب على العراق حدث انقسام داخل مجلس الأمن حيث أصرت فرنسا وروسيا وألمانيا على عدم صدور قرار من مجلس الأمن كغطاء لشن الحرب الأمريكية البريطانية على العراق وكان الهدف السياسى من هذا الصراع هو كبح جماح الولايات المتحدة والحد من انفراد الولايات المتحدة وحدها بتقرير مصير العالم بالإضافة إلى أن هذا المحور المعارض للحرب كانت له مصالح اقتصادية قوية مع العراق وخاصة إذا ما تم رفع الحظر والحصار الاقتصادى عنها وبعد الحسم العسكرى السريع والإطاحة بنظام صدام حسين واحتلال العراق تمت تهدئة الصراعات حيث تحاول الولايات المتحدة إصدار قرار من الأمم المتحدة برفع العقوبات بينما تحاول فرنسا وروسيا إعطاء دور اكبر للأمم المتحدة فى إدارة شئون العراق وإعادة الإعمار .. ومن المعروف أن الشركات الاحتكارية الأمريكية استأثرت بنصيب الأسد من تركة إعادة الإعمار … وسوف يستمر الصراع ويتفاقم مع استمرار الاحتلال الأمريكى للعراق وسيطرتها على منطقة الخليج ومصادر النفط فيها مما سيؤثر سلبا على اقتصاديات بلدان أوربية كفرنسا وألمانيا وأيضا اليابان ..

وقد حدث تطور هام أيضا له مغزاه حيث قررت أربعة دول أوربية هى فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورج إنشاء قوة عسكرية أوربية خارج حلف الناتو . وقد عارضت الولايات المتحدة وبريطانيا هذا التوجه بعنف حيث أنه يمثل أول سابقة منذ الحرب العالمية الثانية تعكس الرغبة الأوربية فى تأكيد وجودها المستقل على الساحة الدولية .. إن هذا الشرخ سوف يتعمق فى المستقبل وهو يمثل بداية لاستقطاب عالمى للحد من الهيمنة الأمريكية وظهور أقطاب جديدة على الساحة العالمية يمكن أن تستفيد منه شعوب العالم الثالث مع التأكيد على أن هذا الشرخ وهذا الاستقطاب يتم فى المعسكر الرأسمالى نفسه ولا يمثل قطب بديل متناقض معه

* إن التناقض الذى يجب الالتفات إليه وضرورة أن نعمل على تصعيد تفاعله فى المرحلة القادمة هو التناقض بين ما يمكن أن نسميه مجازا التناقض بين ( حركة الشعوب ) والتوجهات الإمبريالية العدوانية . وقد أخذت تلك الحركة أشكال مختلفة ولكنها متصاعدة ، بدءا من حركة مناهضة العولمة ثم تطورت إلى حركة مناهضة الحرب وينبغى لها أن تتصاعد لتصبح حركة فى مواجهة الاحتلال وعودة الظواهر الاستعمارية .

إن التظاهرات التى انطلقت فى سياتل ودافوس وتكررت فى دول أوربية أخرى كانت إيذانا بميلاد حركة جديدة فى مواجهة الآثار السلبية واللاإنسانية للعولمة الرأسمالية . وصحيح أن حركة مناهضة العولمة كانت فى دول الشمال وذلك لأسباب موضوعية إلا أن شعاراتها الرئيسية كانت تعادى التوجهات الإمبريالية للسيطرة وإفقار دول الجنوب مما يعطينا استنتاج هام عن توفر الإمكانية الحقيقية لتضامن الشعوب وهذه الحركة تؤكد على انه ليس هناك صراع حضارى أو دينى كما يزعم صقور اليمين العنصرى الفاشى وأنصار الإسلام السياسى . وان جوهر الصراع هو صراع بين مصالح شعوب العالم والعولمة الرأسمالية المتوحشة تحت هيمنة الولايات المتحدة . وعند تقييم ودراسة تلك التحركات الجماهيرية كانت هناك اكثر من رؤية :-

– البعض تعامل معها باعتبارها مجرد ظاهرة وقتية تمثل شكل من أشكال الضمير الإنسانى للغرب وسرعان ما يخفت أو يتلاشى .. وقد ثبت خطأ تلك الرؤية

– ورؤية أخرى بالغت كثيرا فى دور هذه التحركات الجماهيرية وحملتها اكثر مما تحتمل رغم إدراكهم أن تلك الحركات ينضم تحت لوائها عديد من ألوان الطيف السياسى

– أما نظرتنا نحن لتلك التحركات الجماهيرية والتى نراها فى مجملها حركة إيجابية فى إستمراريتها وتطوير شعاراتها السياسية وفق الحالة الموضوعية لقضايا الصراع .

إن مغزى أن يتظاهر ملايين البشر فى يوم واحد ( 15 فبراير ) وساعة واحدة ( مع اختلاف التوقيت ) فى اكثر من 600 مدينة لهى رسالة واضحة فى المعنى والرمز عن مدى ترابط الشعوب وعن عمق التناقض بين معسكر الحرب ومعسكر السلام . ودورنا هو أن يكون الشعب المصرى بطلائعه المنظمة فى الأحزاب ومنظمات المجتمع المدنى جزء من هذه الحركة العالمية على أن تستفيد من خبراتها وتطبيقها بالشكل الذى يتناسب مع واقعنا المصرى ، كما يجب العمل على تكوين حركة شعبية عربية فى مواجهة الاستعمار الأنجلوأمريكى ولمساندة الشعب الفلسطينى تناضل من اجل إنهاء الاحتلال وتصفية القواعد العسكرية الأمريكية من مصر والمنطقة وإنهاء كافة أشكال الوجود العسكرى من المنطقة

ثانيا : – الأوضاع الإقليمية والقضية الفلسطينية

الإدارة الأمريكية .. لم تعد فى حاجة إلى إخفاء مخططاتها الرامية إلى إعادة رسم خريطة للمنطقة – والعراق هو مجرد جزء من رؤية استراتيجية أمريكية لإعادة صياغة المنطقة بما يتماشى مع الأهداف والمصالح الأمريكية ويمكن القول أن تلك الرؤية الأمريكية – سابقة أيضا لأحداث سبتمبر – فالتصورات الأمريكية للمنطقة باعتبارها منطقة نفوذ ومصالح … لها منذ التسعينات وعقب حرب الخليج الثانية – إدارة بوش الأب – أرادت من خلال مؤتمر مدريد – والمباحثات متعددة الأطراف .. وتواكب هذا مع مشروع ” شيمون بيريز ” الشرق الأوسطى – وكذلك تلامست إدارة كلينتون مع ذات الملف من خلال ربط المساعدات الاقتصادية التى تقدمها واشنطن بمدى الأشواط التى تقطعها بلدان المنطقة فى مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان .. وينبغى أن نذكر هنا أن تلك الرؤية ارتبطت بالطفرة الاقتصادية الهائلة التى تم تحقيقها الاقتصاد الأمريكى إبان حكم إدارة كلينتون .. والتصور الأخر حول ضرورة الإخضاع القسرى للمنطقة من منطلق – العدو والخطر الإسلامى ” وفق ذلك التصور ” . وكان منظرى ومروجى هذا الرأى ومنهم ” برنارد لويس ” الكاتب ذو النفوذ الواسع – وديك تشينى – ورامسفيلد – بول لفوفيتز نائب وزير الدفاع . وكل هؤلاء هم الذين احتلوا المواقع المؤثرة فى صنع القرار فى الإدارة الأمريكية الحالية . وأحداث سبتمبر – حسمت الاختيارات لصالح الرؤية الأخيرة – فوفق المبررات التى سيقت لاعتماد رؤيتها القسرية هذه – أن أكبر أزمتين شاهدهما العالم منذ أوائل التسعينات وحتى الآن – كان الطرف العربى – الإسلامى قاسم مشترك فى الأزمتين – غزو العراق للكويت وما نتج عنه من مواجهة أمريكية – عراقية – وكذا فى أحداث سبتمبر كان الطرف العربى – الإسلامى حاضرا من خلال ( بن لادن – تنظيم القاعدة ) والربط الخاطئ الذى حدث بين القضية الفلسطينية – وأحداث سبتمبر . كل هذا تم استغلاله من اجل إعادة رسم المنطقة العربية باعتبارها البيئة التى تساعد على نشر الإرهاب

ولقد ظهر بوضوح زيف وسقوط كل المزاعم التى ساقتها الولايات المتحدة وبريطانيا لتبرير العدوان حيث لم يظهر أى اثر لأسلحة الدمار الشامل بعد مرور اكثر من شهرين على احتلال العراق وكشفت الولايات المتحدة عن أهدافها الاستعمارية بمنتهى الجرأة والسفور وتأكيدها على استمرار وجودها العسكرى فى العراق بشكل دائم من اجل السيطرة على المنطقة وتهديد سوريا وإيران وإعادة رسم خريطة المنطقة وتتويج إسرائيل كقوة وحيدة فى المنطقة .

وعلينا أن نتنبه للمخطط الأمريكى الذى يعمل على تشكيل حلف جديد يضم إسرائيل وتركيا والعراق ومصر والأردن بعد إجبار دول المنطقة على قبول مشروع خارطة الطريق وإزالة أى عوائق أمام طريقه ( معارضة سوريا – حزب الله – الانتفاضة الفلسطينية ) مما يمكن أمريكا وإسرائيل من السيطرة الكاملة على المنطقة ويمكنها من فرض إرادتها على المجتمع الدولى كله . ورغم تأكيدنا على أن تغيير النظم والحكومات فى أية دوله هى مسئولية شعوب هذه الدولة وقواها السياسية إلا أن النظام العراقى الديكتاتورى بممارساته الوحشية القمعية ضد شعبه وسياساته المغامرة وحروبه العديدة التى لم تخدم سوى أعداء الأمة العربية وأدت إلى استنزاف الطاقات والإمكانات الجبارة لدولة العراق وأعطت المبررات وسهلت الطريق للولايات المتحدة وإسرائيل من تحقيق أهدافها باحتلال العراق وكان من الطبيعى ألا يجد هذا النظام أية حماية شعبية بعد أن مارس ضده كل دروب الاستبداد والقمع والاضطهاد الدينى والعرقى .. إن غياب الديمقراطية كان عاملا هاما فى السقوط السريع لبغداد والمدن العراقية التى لم تتحرك فيها المقاومة الشعبية إلا بعد سقوط النظام .. وخروج عشرات الآلاف من العراقيين يهتفون بسقوط بوش وصدام ويطالبون بانسحاب القوات الأمريكية وإصرارهم على أن يحددوا بأنفسهم مستقبل العراق من خلال حكومة ديمقراطية منتخبة . ويجب على كل الشعوب العربية مساندة الشعب العراقى فى نضاله المشروع من اجل إنهاء الاحتلال الأنجلوأمريكى

ومن جانب آخر فقد كشفت هذه الحرب العدوانية وما نجم عنها من احتلال العراق عن سقوط أوراق التوت عن معظم الحكام العرب الذين فقدوا تماما شرعية بقائهم واستمرارهم فى كراسى الحكم وسقطوا فى أعين شعوبهم نتيجة مواقف الخيانة والتواطؤ السافر مع هذا العدوان ونتيجة لقمع شعوبهم بقسوة ومنعهم من التظاهر للاحتجاج على هذا العدوان

وفى هذا السياق نحن ندين الموقف الرسمى المصرى الذى اتخذه الرئيس مبارك فى أكثر من موقف قبل العدوان وبعد حدوثه والذى اكتفى فيه كعادته بالنداءات المتكررة وتهرب شأنه شأن الحكام العرب من اتخاذ أية مواقف عملية لمساندة الشعب العراقى وعدم استخدام الأوراق التى تحت يديه لتهديد المصالح الأمريكية ورفض الاستجابة للمطلب الشعبى بمنع مرور السفن الحربية الأمريكية والبريطانية من قناة السويس وقدم تبريرات واهية ولم يكتفى بذلك بل وقدم المزيد من التسهيلات ( الوقود والوجبات الغذائية ) لقوات العدوان الأنجلوأمريكية ثم استضافته للقمة الأمريكية الصهيونية فى شرم الشيخ يوم 3 يونيو والتى تعطى الغطاء لاستمرار الاحتلال الأمريكى للعراق ، كما تساهم فى تحقيق الأهداف الأمريكية الإسرائيلية فى تصفية الانتفاضة وإنهاء المقاومة بزعم مقاومة الإرهاب .

إن ما حدث قد قدم للجميع درسا بليغا وهو أنه لا يمكن صيانة استقلال أى دولة وحمايتها دون أن تكون هناك ديمقراطية وتعددية ومشاركة شعبية حقيقية فى صنع القرار ، كما أن القضية الوطنية وتشكيل جبهات شعبية فى كل بلد وعلى المستوى العربى أصبحت مطلبا ملحا لمجابهة الاستعمار الأمريكى الصهيونى . غير أن المدخل الضرورى والوحيد لإنجاز هذه المهمة هو حتمية انتزاع الجماهير لحقوقها الديمقراطية ، تلك المهمة التى أضحت ضرورة عملية لا غنى عنها لتغيير هؤلاء الحكام ولخلق إمكانية حقيقية لمواجهة الهجمة الاستعمارية وتحقيق التنمية الاجتماعية الاقتصادية والخروج ببلادنا من النفق المظلم الذى وضعتنا فيه هذه الأنظمة المتخاذلة والمتواطئة والعميلة .

القضية الفلسطينية

حدث تراجع خطير فى المسألة الفلسطينية ، وأطلقت يد شارون وحكومته اليمينية المتطرفة لتمارس أبشع أنواع القمع والقهر للشعب الفلسطينى بقصد إخضاع إرادته . وتغيير قيادته . فى استغلال واضح للمتغيرات الدولية وانشغال العالم بالحرب المنتظرة ضد العراق والمنطقة فعوضا عن أفكار أمريكية سابقة كانت ترى أن أى تقدم لحل القضية الفلسطينية ” حتى لو تم تحت ضغط على الحكومة الإسرائيلية لتقديم تنازلات معينة قد تقنع الفلسطينيين والعرب يساعد فى حسم التدخل الأمريكى للإطاحة بالنظام العراقى . ولكن رؤية شارون والتى نجح فى أن يجعل من بوش وإدارته أن تتبناها مضمونها أن حسم قضية العراق ومن ثم المنطقة العربية هو الذى يؤهل ويساعد على إخضاع الفلسطينيين والعرب على قبول التصورات الإسرائيلية الأمريكية لحل قضية الصراع الإسرائيلى الفلسطينى ، لقد نجح شارون وحكومته أن تربط قضية الإرهاب بالمقاومة الفلسطينية فى خلط واضح ومتعمد ما بين حق الشعوب فى مقاومة الاحتلال والإرهاب المنظم أو إرهاب الدولة الذى تمارسه إسرائيل وواشنطن وأصبح باسم مكافحة الإرهاب ترعى واشنطن ديكتاتور عسكرى فى باكستان !! وتطالب بالإطاحة بعرفات المنتخب من شعبه .

والإدارة الأمريكية عمليا رفعت يدها (مرحليا) عن قضية الصراع الفلسطينى الإسرائيلى أو فوضت الحكومة الإسرائيلية فى معالجة الأوضاع .. ولم يشفع للسلطة الفلسطينية ولا للقادة العرب قبولهم بكافة المبادرات التى طرحت على الساحة بدءا من قرارات الأمم المتحدة لتقرير سولانا أو مبادرة ميتشل وتينيت إلى طرح المبادرة السعودية وصولا إلى خطة الطريق الأمريكية والتى ترعاها اللجنة الرباعية والتى أصبحت الأساس المعتمد حاليا لما سيجرى عليه عملية التفاوض رغم المخاطر الكامنة فى خريطة الطريق هذه ، لكونها إعلان مبادئ جديد يستبدل الاتفاقيات المرحلية السابقة بالتفاوض على اتفاق مرحلى جديد وإحداث اسم الدولة المؤقتة .

هذه الخطة الجديدة بمراحلها الثلاث والمتضمنة عديد من البنود والتى يحتاج كل بند من بنودها إلى جولات من المفاوضات لتتحول بهذا كل مرحلة من مراحلها إلى اتفاق مرحلى فى حد ذاته . وإضافة إلى الاشتراطات والالتزامات التى يتعين على الجانب الفلسطينى القيام بها ( تعيين رئيس وزراء – انتخابات نيابية جديدة – دستور جديد – نزع الأسلحة – إيقاف العمل العسكرى … الخ ) ألزمت الخطة أيضا الجانب العربى كإلزام الجانب المصرى والأردنى بإعادة سفيرهما لتل أبيب بل وتطالب الخطة الدول العربية بالتطبيع الشامل مع إسرائيل فى إطار الحل المرحلى وقبل الانسحاب الشامل من الأراضى الفلسطينية والعربية المحتلة ( ولذلك اعترضت إسرائيل على ذكر المبادرة السعودية كإحدى المرجعيات لعملية السلام وتم تعديل النص باعتبارها واحدة من الجهود السلمية فى المنطقة )

وفى الجانب الأخير فان خريطة الطريق الأمريكية تطالب الجانب الفلسطينى بتنازلات ذات طابع استراتيجى مقابل تسوية سياسية مرحلية – وتغلق ملف مفاوضات الوضع النهائى – وتعيد عملية المفاوضات إلى بدايتها مجددا وليس من النقطة التى توقفت عندها فى كامب ديفيد – أو طابا . ومن ناحية أخرى تواصل إسرائيل العمل بخطة الفصل وإقامة الجدار العازل والذى يقتطع مساحات واسعة من الأراضى الفلسطينية بما يعنى ذلك من فرض حدود سياسية جديدة من طرف واحد ( إسرائيل ) ، وأيضا تواصل حكومة شارون إقامة جدار عازل أخر حول القدس ، وفصل شمال الضفة عن جنوبها – بما يعنى أن حكومة شارون تعمل منذ الآن وبشكل مسبق على رسم الحدود الدائمة للدولة الفلسطينية . أن شارون وحكومته اليمينية يستغل انشغال العالم بالحرب على العراق ويواصل سياسته العدوانية تجاه شعب فلسطين وتزداد أعداد الضحايا يوم بعد أخر .. وسط صمت عربى رسمى .. بل وتقاعس حتى عن تنفيذ وعود القمم العربية الثلاث التى عقدت خلال السنتين الماضيين . وهذا ما قد يفسر أنه نوع من الضغوط الغير مباشرة من قبل الحكام العرب على الجانب الفلسطينى .. لقبول ألا ملاءات الأمريكية – والإسرائيلية .، وفى هذا السياق يأتى موضوع ” الحوار الفلسطينى ” بين الفصائل الفلسطينية والذى ترعاه القاهرة .. ورغم إيجابية الحوار بين الفصائل فى حد ذاته .. شريطة عدم فرض شروط مسبقة أو استبعاد أى قوة فلسطينية من الحوار .. وهذا ما حرص عليه فى الجولات التالية . وكان يمكن لهذا الحوار أن يسفر عن شئ شبيه ” بتفاهم نيسان ” – الذى تم فى جنوب لبنان بين حزب الله – وإسرائيل – إلا أن التصعيد المتعمد من جانب الجيش الإسرائيلى كان هدفه إفشال هذا الحوار .واننا نرى أن على السلطة الفلسطينية أن تشرع فى مجموعة من الخطوات منها :

1- توسيع قاعدة الوحدة الوطنية بمضمونها الاجتماعى الواسع وعلى أساس برنامج منظمة التحرير الفلسطينية ومع الإقرار بأن من حق الغير الاختلاف أو عدم الموافقة على هذا البرنامج من منطلق التعددية – والديمقراطية . مع الالتزام لكافة الفصائل بعدم ازدواج السلطة أو تعددها .

2- مواصلة إجراءات الإصلاح وإعادة ترتيب الداخل الفلسطينى وإشراك الجماهير كطرف أصيل فى عمليات الإصلاح وإقامة الإطارات والآليات المناسبة لذلك .

3- المحافظة على الأهداف السياسية للانتفاضة واستعادة مضمونها الشعبى والتأكيد على خيار مقاومة الاحتلال بكافة الوسائل .

4- الالتزام بالديمقراطية – والتعددية – وتكريس النهج الديمقراطى فى الحياة السياسية عامة .

إن المرحلة القادمة تتطلب أكبر قدر من الاتفاق الفلسطينى والتضامن العربى والانتباه للمخاطر المحدقة بالقضية الفلسطينية .. خاصة مع تشكيل شارون لحكومة جديدة ( بتركيبتها المعلنة يصعب إبرام أى اتفاق – برغم تمتع الحكومة بأغلبية 68 صوت داخل الكنيست إلا أنه حزبين من داخل الائتلاف الحكومى يرفضان تماما فكرة إقامة الدولة الفلسطينية – أو إزالة المستوطنات – ناهيك عن أصوات مؤثرة داخل الليكود نفسه ترفض حتى ما جاء بخطة الطريقة الأمريكية ) .

وينبغى التأكيد على خطورة نتائج اجتماع العقبة الذى تم بعد اجتماع القمة العربية الأمريكية بشرم الشيخ مباشرة حيث يتأكد الهدف الأمريكى الصهيونى فى كسب الوقت لتصفية الانتفاضة وإنهاء المقاومة وإشعال حرب أهلية داخل الشعب الفلسطينى وهو ما بدأت تظهر بوادره مع استمرار كل الممارسات الوحشية للاحتلال الإسرائيلى وعدم تنفيذ أى وعود من الجانب الإسرائيلى

وينبغى أيضا التأكيد على أن حزبنا يناضل مع كل القوى الوطنية من أجل استمرار دعم مقاومة الشعب الفلسطينى سياسيا وعينيا من خلال تنشيط لجان دعم الانتفاضة وكذلك التأكيد على ضرورة النضال من اجل طرد السفير الإسرائيلى ومقاطعة السلع الإسرائيلية والأمريكية واستمرار مقاومة التطبيع مع العدو الصهيونى على كافة الأصعدة .

• الأوضاع الداخلية :-

لازال الحكم يواصل سياسته المعادية فى جوهرها لأغلبية الناس ليؤكد انحياز الحكم السافر لصالح الرأسمالية الجدد – حتى لو ادعى عكس ذلك .. فالأزمة الشاملة تكاد تطال كافة فئات المجتمع وعلى جميع الأصعدة – سياسية كانت أم اقتصادية – واجتماعية . فمن الناحية السياسية.. هنالك إصدار عنيد من قبل نظام الحكم على مواصلة الحكم فى ظل ” قانون الطوارئ ” – ورفضه التام لإجراء أى إصلاح سياسى حقيقى مكتفيا بهذا الهامش الضيق والذى أدى ألى إضعاف الحياة السياسية بشكل عام مما يولد السلبية والعزلة – سلبية الجماهير – وإحباط الشباب .. وستبقى التعددية الحزبية شكلية – طالما ظل ذلك الحظر المفروض على حرية وحق إنشاء الأحزاب السياسية وطالما أصر ” الحكم ” على حصار الأحزاب داخل مقرها ومنعها من التواصل مع جماهيرها ، وكذا تقييده لمنظمات المجتمع المدنى متمثلا فى جمعياته الأهلية المحكومة بالقانون 84 لسنة 2002 ، و” تأميم ” أو مصادرة النقابات المهنية فى ظل قانون النقابات رقم 100 لسنة 93 0

وحتى هذا الهامش المحدود لم يعد يتحمله النظام حيث قام بقمع المظاهرات الشعبية المناهضة للعدوان الأنجلوأمريكى على العراق يوم الجمعة 21 مارس والتى خرج فيها عشرات الألوف فى الأزهر وشوارع وسط القاهرة وتم اعتقال العشرات وعاد الحكم مرة أخرى لممارسة أسوأ أشكال التعذيب وتلفيق التهم على النشطاء اليساريين والديمقراطيين بل واعتقال وضرب أعضاء من مجلس الشعب دون رفع الحصانة عنهم وتكرر حدوث ذلك عندما قامت قوات الأمن بمنع مظاهرة السيدة عائشة رغم حصول المشاركين فى المسيرة ومنهم حزبنا على حكم نهائى من محكمة القضاء الإدارى بحقهم فى القيام بالمسيرة دون اشتراط موافقة الأمن وقامت قوات المن بتحويل القاهرة فى ذلك اليوم إلى ثكنة عسكرية حيث تم غلق الشوارع الرئيسية واعتقال وتعذيب عدد من المشاركين فى المسيرة

إن هذا النهج يعطى مؤشرا واضحا على أن الدولة المصرية تتحول أكثر فأكثر إلى دولة بوليسية قمعية وظيفتها الرئيسية هى حماية النظام الذى يمثل مصالح أقلية ضئيلة ، كما يكشف مدى الخوف والرعب من أى تحركات جماهيرية حتى ولو كان طابعها وطنى وموجه ضد أمريكا وإسرائيل فى الأساس . ومن ناحية أخرى فان التجربة التاريخية لتؤكد أنه لا يمكن إحداث تنمية اقتصادية واجتماعية ( بالمعنى الواسع للتنمية ) وإحداث حالة نهوض شعبى ودفع الناس للخروج من السلبية والعزلة ما لم تكن هناك خطوات جادة على الطريق الديمقراطية وتحرير الإنسان ذاته من قيوده . إن القضية المحورية الآن فى هذا العصر ، باتت قضية الإنسان كقيمة فى حد ذاته والعمل على إشباع هذه القيمة وتلبية احتياجاتها المادية والروحية .

إن الممارسات السياسية للحكم حاليا والمحاولات الدءوبة لتوريث السلطة لنجل الرئيس لهى من مخلفات عهود ولت ولم تعد تتماشى مع روح العصر وتطلعاته . والإصرار على ذات الممارسات ، ليهدد حقا الوطن من الخارج ومن الداخل .. وتفتح المجال أمام دول ومؤسسات دولية لتفرض شروط الإصلاح من الخارج – وهو ما نرفضه نحن وغيرنا. وما سمى مبادرة ” كولن باول ” للمنطقة يندرج تحت هذا الإطار فقد طرح ما سماه الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط مطالبا بالتحول الكامل لاقتصاد السوق وتعديل مناهج ونظم التعليم وتنمية الديمقراطية بمشاريع تقوى المجتمع المدنى. وعمدت الخارجية الأمريكية على إرسال مبعوث خاص للترويج لهذه المبادرة . ورغم أن هذه المطالب تشكل جزءا مما يطالب به حزبنا . والأحزاب الأخرى .. إلا أننا نرفض وبشدة أى مبدأ للوصاية من الخارج ، ولذا كانت دعوتنا مع سائر الأحزاب ومنظمات المجتمع المدنى لرفض المبادرة ورفض استقبال المبعوث الأمريكى والاجتماع معه .

إن حزبنا كان دائما حريصا على المطالبة بالإصلاح السياسى والديمقراطى وذلك لأنه يدرك جيدا ان انتزاع الحقوق الديمقراطية هو المدخل الصحيح لحل كافة القضايا الأخرى الوطنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ..

وبعد احتلال العراق قامت لجنة الدفاع لاعن الديمقراطية والتى يشارك فيها حزبنا بجمع التوقيعات على عريضة تضم عددا من المطالب العاجلة والملحة كمدخل للإصلاح الديمقراطى يتصدرها ضرورة انتخاب رئيس الجمهورية من بين أكثر من مرشح وإلغاء حالة الطوارئ وتعديل قانون الأحزاب والجمعيات وغيرها من المطالب الهامة . ويعتبر حزبنا أن برنامج الإصلاح السياسى والديمقراطى الذى أقرته لجنة التنسيق بين الأحزاب السياسية فى مؤتمر ديسمبر عام 1997 يمثل الحد الأدنى الذى يمكن أن تتفق عليه كل القوى وتعمل من خلاله فى هذه المرحلة

وفى هذا السياق فان حزبنا يحذر من الخلط بين دعوتنا وعدد من الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدنى التى تطالب بتحالف واسع لانتزاع الحقوق الديمقراطية فى مواجهة الحكم وممارسات الدولة البوليسية وبين الدعوة التى تتبناها جريدة الوفد فى أعقاب اجتماع أحزاب المعارضة الشرعية لتشكيل وحدة وطنية بين أحزاب المعارضة والحزب الوطنى . ورغم أن البيان الرسمى الذى صدر عن اجتماع الأحزاب الأربعة لم تأتى فيه فكرة الوحدة الوطنية مع الحزب الوطنى إلا أن هذه الدعوة من حزب الوفد والتى يروج لها يوميا فى جريدته تعطى انطباعا بان هذا يعبر عن وجهة نظر أحزاب المعارضة الشرعية الأربعة وخاصة انه لم يصدر من أى منهم ما يفيد رفض هذه الدعوة . ونحن من جانبنا نرفض بحزم هذه الدعوة للوحدة الوطنية لأننا نرى أن الحزب الوطنى هو المسئول أساسا عن الكارثة التى نعيش فيها بسياساته وممارساته طوال أكثر من ربع قرن .. وأن مؤسسة الرئاسة تتحمل القدر الأكبر من المسئولية بحكم تركيز كل الصلاحيات فى يد رئيس الجمهورية . ومن جانب آخر فان هذه الدعوة للوحدة الوطنية تؤدى الى ارباك القوى الوطنية وتشتيت قوى التحالف الديمقراطى ، كما أنها تساهم فى خداع الجماهير وتضليلها بعد أن بدأت تعى استحالة قيام الحزب الوطنى بأى إصلاح حقيقى على جميع المستويات وبدأت تطالب بالتغيير . وتسعى فى الوقت الراهن قوى اليسار الماركسى إلى التنسيق فى عملها وتوحيد جهودها من اجل تشكيل تحالف وطنى واسع مع القوى الوطنية فى المجتمع لإنقاذ الوطن من التبعية والفساد والاستقلال والاستبداد .

وأما على صعيد الأزمة الاقتصادية والتى تعد الوجه الآخر لتبعية الحكم فى مصر فيمكن أن نؤكد بوضوح أن الأزمة الاقتصادية وصلت إلى حدود مخيفة وتنذر بتصاعد معدلات السخط والإحباط والتمرد لدى قطاعات واسعة من الشعب المصرى ونحن نتوقع خروج تحركات عفوية متعاقبة خلال الفترة القادمة بسبب الارتفاع الجنونى للسعار وزيادة معدلات البطالة وانتشار الفساد من أكبر رأس فى الدولة حتى الموظفين الصغار وانهيار الخدمات التى تقدمها الدولة وخصخصة الكثير منها وازدياد الفقر والبؤس لدى اكثر من 80 % من الشعب المصرى بينما تعيش فئة قليلة جدا فى مستويات خيالية وتنفق ببذخ غير مسبوق .

وبرغم وعود الحكومة المصرية المفرطة فى التفاؤل بتحسن أحوال الناس – وعلاج عديد من المشاكل الاقتصادية المتفاقمة وعلى رأسها مشكلة البطالة ، إلا أن واقع الحال يفضح هذا الادعاء من أساسه إذ لا توجد أسرة فى ربوع مصر إلا وبها عاطل أو أكثر . وبعد انتهاج الحكومة المصرية لبرنامج ” التكيف الهيكلى ” بما يعنيه من بيع لوحدات القطاع العام والتى شابها الفساد سواء من خلال تقييم الأصول بأقل من قيمتها الحقيقية .. وما ترتب على هذه السياسات من تسريح آلاف العمال ليضافوا إلى جيش العاطلين عن العمل . وتم صدور قانون العمل الموحد بضغط من رجال الأعمال والمؤسسات الدولية بما يعنيه من إهدار للبقية الباقية من مكتسبات حققها العمال – والطبقة العاملة طوال الحقبة الماضية ولقد تظاهر العمال النشطاء النقابيون أمام مجلس الشعب ليطالبوا برفض هذا القانون المهدر لحقوقهم – والتنديد بموقف اتحاد العمال الموالى لرجال الأعمال – ونرى فى ذلك تحولا إيجابيا لبداية صحوة عمالية – ورغم الوعود التى قطعها رئيس مجلس الشعب على نفسه أمام ممثلى العمال فى التظاهرة بأنه لن يسمح بأن يتضمن القانون لمواد مخالفة للاتفاقات الدولية والعربية التى وقعت عليها مصر .. !! إلا أنه سحب وعوده بعد ما وبخ من قبل القيادة السياسية فى أحد الاجتماعات . وتأتى الجريمة الكبرى التى ارتكبتها حكومة عاطف عبيد بإعلان مفاجئ لتحرير سعر الصرف – أو ما يعنيه من الناحية العملية تخفيض حقيقى للجنيه المصرى – وتلك الخطوة التى لم تستطع أى حكومة سابقة على اتخاذها وتلك الخطوة لا يمكن أن تكون قرارا حكوميا .. وإنما هو أتخذ بأمر مباشر من رئيس الجمهورية . مما يجعله يتحمل المسئولية الرئيسية عن الانعكاسات السلبية الخطيرة التى سوف يتعرض لها الاقتصاد المصرى – وكذا التدهور الحاد فى الأحوال المعيشية الناتج عن تخفيض لقيمة الجنيه المصرى بما يتجاوز ال40 % .

ويعد هذا الإجراء استسلام تام لتعليمات صندوق النقد الدولى – ويربط البعض هذا الإجراء بالجولة الغير مسبوقة التى قام بها وفد سياسى وإعلامى إلى الولايات المتحدة كان على رأسه جمال مبارك !! ) .

والغريب فى الأمر أن نظام الحكم الذى ظل يردد طوال عقدين من الزمن أنه أهم إنجازا ته على الصعيد الاقتصادى – هو تثبيت سعر الصرف – وتعاظم الاحتياط النقدى الاستراتيجى . ونتساءل الآن عن مصدر قوة ” عاطف عبيد ” والتى تجعل سياسته الاقتصادية تلتهم المليارات من هذا الاحتياط النقدى . والذى من المتوقع خاصة بعد نشوب الحرب واحتلال العراق وسيطرة الولايات المتحدة على النفط العراقى وبالتالى سوف يتوقف التبادل التجارى المصرى للعراق الذى كان يتم وفق برنامج النفط مقابل الغذاء مما يؤدى إلى أن ينكمش هذا الاحتياط إلى حدود العشرة مليارات بما يعنيه من أننا غير قادرون على أى مواجهة لأزمات طارئة – قد يصل الأمر فعلا إلى حد العجز عن تدبير موارد مالية لاستيراد القمح أو مستلزمات أدوية أو إنتاجية .

ويعد إجراء تحرير سعر الصرف من الناحية الاقتصادية النظرية بمثابة القرار الخاطئ الذى اتخذ فى الوقت الخاطئ – فمن الناحية النظرية ، إجراء كهذا يكون الهدف منه هو معالجة الخلل الحادث فى الميزان التجارى ، بمعنى خفض قيمة الواردات لصالح الصادرات .. وكذا تنشيط وجذب الاستثمارات الأجنبية – والحد من المضاربة على العملة الأجنبية .. والمؤكد أن كل الأهداف تلك لا تنطبق على الإطلاق على الحالة المصرية . وبالذات فى هذا التوقيت .

والحديث عن الحد من الواردات يتجاهل طبيعة التغيرات التى حدثت على أنماط التبادل التجارى . حيث تتخصص الاقتصاديات الأكثر تقدما فى المراحل الإنتاجية الأولية . وتتاح المراحل النهائية للاقتصاديات الأضعف .. وهذا ما يعنى أننا بصدد نوع جديد من الإحلال محل الواردات – أى مزيد من المستلزمات مما يجعل الإنتاج كثيف الاستيراد وليس بديلا له .

أى بعبارة أخرى – إذا أنتجت أكثر لكى تصدر أكثر يجب أن تستورد أكثر !! أضف إلى ذلك زيادة حركة تدفق السلع والخدمات ورؤوس الأموال والتكنولوجيا بين الدول – وتسارع عملية تحرير التجارة العالمية فى ظل اتفاقية الجات – وزيادة الترابط والتداخل بين أسواق المال والبور صات العالمية – إلى الحد الذى يجعل حدوث أزمة فى ركن ما من أركان العالم تتداعى له بقية الأركان ومن هنا فالحديث عن جذب استثمارات أجنبية فى ظل منطقة تعد الآن من أشد مناطق العالم توترا ( منطقة الشرق الأوسط ) . إلى الدرجة أنها أصبحت منطقة طرد للاستثمار وليست جذبا له ..

إن الموارد الأساسية للاقتصاد المصرى .. ستتعرض لانتكاسة كبرى فى ظل استمرار أوضاع التوتر فالعمالة المصرية فى الخارج ( خاصة منطقة الخليج ) سوف تتقلص تحويلاتها ، والدخل المحقق من السياحة يكاد ينعدم فى حالة الحرب ، وحركة مرور السفن فى قناة السويس سوف تتأثر بطبيعة الحال بالسلب سواء من جراء كلفة التأمين أو من جراء انخفاض طبيعى لحركة النقل والتبادل التجارى العالمى .

ومن هنا فالانخفاض الحاد – لمستوى معيشة القطاع الأوسع من الشعب هو النتيجة الحتمية لهذه السياسات الاقتصادية . وان توجهات الحكومة المصرية أيضا ووفقا لتعهداتها لشروط الصندوق الدولى . بالحد من الإنفاق الحكومى بما يعنى خفض الإنفاق على الخدمات – ( العلاج – الإسكان – التعليم ) . الخ …

ولا يقلل من فساد الحكم المستشرى تقديمه لحفنة من رجال الأعمال الذين سرقوا ملايين أو مليارات الجنيهات من أموال البنوك وفروا بها إلى الخارج . إن كل الأوضاع المتكشفة سياسية أو اقتصادية توضح بما لا يدع مجال للشك استحالة التعايش مع الوضع القائم .. بما يفرض على حزبنا وعلى القوى السياسية الأخرى أن تشكل وتطرح بديلا لتلك السياسات القائمة والتى لا ينتج عنها إلا الأزمة . ولا بديل للخرج من هذا النفق المظلم الذى أوصلنا إليه ممارسات وسياسات النظام الحاكم على مدى أكثر من ثلاثون عاما سوى رفع شعار التغيير من خلال استخدام كافة أشكال الديمقراطية من جمع التوقيعات إلى القيام بمسيرات إلى العصيان المدنى الشامل . إذ أن الطريق الديمقراطى لا يقتصر فقط على لنضال البرلمانى خاصة فى ظل نظام يحترف التزوير الدائم لكل انتخابات سواء كانت محلية أو لمجلس الشعب وغيرها .

إن المدخل للتغيير هو انتزاع الحقوق الديمقراطية كما أوضحنا سابقا وتشكيل جبهة شعبية عريضة تناضل ضد سياسات التبعية وضد الهيمنة الأمريكية على المنطقة ومن اجل سياسات اقتصادية تحقق مصالح الجماهير الشعبية العريضة . وهذا لا يتأتى إلا عن طريق خلق بديل وطنى ديمقراطى فى مواجهة الحكم القائم وفى مواجهة البديل الظلامى المتستر بالدين أيضا

About Communist Party of Egypt

الحزب الشيوعى المصرى Communist Party of Egypt
هذا المنشور نشر في تقارير سياسية - موقفنا السياسى. حفظ الرابط الثابت.